لم يعد الغلاء في لبنان مجرد أزمة معيشية تضغط على المواطن، بل تحول إلى مؤشر على خلل أعمق يطال المالية العامة والاقتصاد والاستقرار الاجتماعي والسياسي في آن واحد. فالتضخم المرتفع يترافق مع انكماش اقتصادي خطير، فيما تتسع الفجوة بين كلفة الحياة وقدرة اللبنانيين على تحمّلها، وبين حجم الأزمة وقدرة الدولة على معالجتها.
المشكلة أن لبنان يعيش اليوم في مفارقة اقتصادية شديدة الخطورة: الأسعار ترتفع فيما الاقتصاد ينكمش، والدولة تحاول إدارة الأزمة بإجراءات ترقيعية فيما الفجوة المالية والمصرفية لم تُحسم بعد. وكلما طال الوقت، تآكلت القدرة الشرائية للمواطن، وتراجعت القيمة الحقيقية للدخول والمدخرات، وأصبحت أي معالجة لاحقة أكثر كلفة على المجتمع والدولة والمصارف والمودعين معاً.
والأخطر أن الأزمة الاقتصادية لم تعد منفصلة عن المشهد الأمني. فالجنوب يعيش على وقع عمليات الهدم والتجريف والدمار، فيما تبدو المفاوضات، حتى الآن، عاجزة عن إنتاج تسوية نهائية تضمن استقراراً مستداماً.
وإذا عادت الحرب إلى اتساعها، فإن الاقتصاد اللبناني، الذي لم يستعد بعد قدرته على التقاط أنفاسه، سيكون أمام صدمة جديدة قد تضرب الاستهلاك والاستثمار والسياحة والتجارة والمالية العامة في وقت واحد.
وهنا تصبح المسؤولية الدولية، وخصوصاً الأميركية، أكثر حساسية. فلبنان لا يحتاج إلى تفاوض شكلي يطيل عمر الأزمة، بل إلى ضغط فعلي يضمن وقفاً مستداماً للتصعيد ويمنح الاقتصاد فرصة لالتقاط أنفاسه.فالاقتصاد لا يستطيع أن يبني خطط التعافي فوق أرض أمنية متحركة، ولا يمكن للمستثمر أو المودع أو الدولة أن يضع افتراضات مالية مستقرة فيما احتمال الحرب يبقى قائماً.
لكن المفارقة أن لبنان، في الوقت الذي يحتاج فيه إلى أعلى درجات الاستقرار، يدخل في أكثر الملفات حساسية: إعادة هيكلة القطاع المصرفي وتحديد مصير الودائع.
وهنا يأتي الطعن في المادة الثالثة من قانون إعادة هيكلة المصارف ليضيف طبقة جديدة من عدم اليقين إلى المشهد. فالمشكلة ليست في ممارسة حق دستوري بالطعن، وإنما في انعكاساته على المسار المالي في لحظة يفترض فيها أن تنتقل الدولة من مرحلة تشخيص الانهيار إلى مرحلة توزيع الخسائر وإعادة بناء القطاع المصرفي.
فالملف لا يتعلق بمادة قانونية منفصلة عن سياقها، بل بمنظومة كاملة تتصل بصلاحيات مصرف لبنان، وإعادة هيكلة المصارف، وترتيب تحمّل الخسائر، وصولاً إلى قانون استرداد الودائع. وأي غموض في هذه المرحلة قد يفتح الباب أمام مزيد من التأخير، فيما يدفع المودع عملياً ثمن كل يوم إضافي من الانتظار.
وتكمن العقدة الأكبر: قانون استرداد الودائع سيأتي في اقتصاد يعاني تضخماً مرتفعاً وانكماشاً، وليس في اقتصاد طبيعي قادر على امتصاص الصدمة. فالوديعة التي بقيت رقماً بالدولار ليست بالضرورة محتفظة بقيمتها الاقتصادية الحقيقية بعد سنوات من الأزمة والتضخم وتعدد أسعار الصرف.عندها لا يعود السؤال اقتصادياً فقط.
اتساع الفجوة بين المواطن والدولة قد يتحول إلى أزمة اجتماعية وسياسية. فالمواطن لا ينظر إلى التضخم كرقم في تقرير اقتصادي؛ هو يراه في فاتورة الغذاء، وكلفة الطبابة، والتعليم، والنقل، والإيجار، والكهرباء، وكل تفاصيل حياته اليومية.
إن الإجراءات الحكومية الترقيعية قد تمنح الاقتصاد بعض الوقت، لكنها لا تستطيع أن تكون بديلاً عن الحل. فالترقيع في اقتصاد مأزوم قد يؤخر الانفجار، لكنه لا يلغي أسبابه.
والأخطر أن عودة الحرب، إذا حصلت، ستعيد لبنان إلى نقطة أكثر صعوبة: خسائر إضافية، إنفاق عام أكبر، إيرادات أقل، استثمارات متراجعة، ضغط أكبر على سعر الصرف، وتراجع إضافي في القدرة على تمويل استرداد الودائع وإعادة إعمار ما تهدم.لذلك فإن لبنان لا يقف اليوم أمام أزمة واحدة، بل أمام تقاطُع أزمات: اقتصادية ومالية ومصرفية واجتماعية وأمنية وسياسية. وكل واحدة منها تغذي الأخرى.
فالمطلوب إذاً ليس قانوناً منفرداً للودائع، ولا قانوناً منفرداً للمصارف، ولا إجراءات مؤقتة لاحتواء الغلاء، بل تسوية مالية واقتصادية متكاملة تعيد توزيع المسؤوليات قبل توزيع الخسائر. فالخطر الحقيقي ليس أن يدفع لبنان ثمن الإصلاح، بل أن يدفع ثمن عدم الإصلاح.
وإذا كان لبنان قد خسر سنوات في إدارة الأزمة، فإن السؤال اليوم لم يعد: هل يستطيع أن يتحمل الإصلاح؟ بل: هل يستطيع أن يتحمل كلفة الانتظار أكثر؟لأن كل شهر إضافي من التضخم والانكماش، وكل تأخير في حسم الودائع، وكل غموض في إعادة هيكلة المصارف، وكل احتمال جديد لعودة الحرب، لا يجمّد الأزمة فقط، بل يجعل فاتورة الخروج منها أكبر.
لبنان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الوقت لشرح الأزمة؛ يحتاج إلى قرار يوقف اتساعها قبل أن يتحول الغلاء إلى انفجار، والودائع إلى قضية اجتماعية، والإصلاح إلى أزمة سياسية، والحرب إلى ضربة جديدة لما تبقى من الاقتصاد وربما ما تبقى من دولة ومؤسسات.
المصدر : ليبانون ديبايت
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




