منذ انتصار الثورة في إيران عام 1979، تشكلت طبيعة العلاقة بين واشنطن وطهران ضمن حلقة من الضغوط والصدام المستمر. وفي المشهد المعاصر، ومع التطورات العسكرية والجيوسياسية المتلاحقة، تبرز التساؤلات حول طبيعة الخيارات الاستراتيجية المتبقية أمام الولايات المتحدة.
وإذا كان من الواضح تعذّر خيار الحسم السريع، فإن أحد أبرز السيناريوهات المطروحة على طاولة صانع القرار الأميركي يتمثل في الاعتماد على “استراتيجية الضغط المركب وحروب الاستنزاف الطويلة”؛ وهو رهان يستهدف إنهاك البنية الداخلية للخصم، مقابل صمود استراتيجي إيراني يختبر قدرة واشنطن على الاحتمال طويل الأمد.
سقوط خيار “الضربة القاضية”: فشل استراتيجية الحسم السريع
عندما تصاعدت وتيرة التوتر عبر العمليات والمواجهات المباشرة – بدءاً من استهداف منشآت نووية في 2025 وصولاً إلى الاغتيالات التي استهدفت قادة كباراً بداية من شهر شباط/فبراير الماضي– كان الرهان الاستراتيجي لبعض الدوائر الغربية معقوداً على إحداث انهيار سريع في بنية الدولة الإيرانية أو فرض تغيير سياسي جذري يتماشى مع المصالح الأميركية-الإسرائيلية.
غير أن الواقع الميداني أثبت فشل هذا الخيار؛ فقد أظهرت الدولة الإيرانية ومؤسساتها صلابة هيكليّة مكّنتها من استيعاب الصدمات، فضلاً عن قدرتها على توسيع رقعة الاشتباك ونقل ثقل المعركة إلى الفضاء الإقليمي. إن استهداف القواعد الأميركية وتعطيل الملاحة في ممرات الطاقة الاستراتيجية، مثل مضيق هرمز، أكدا أن محاولة إنهاء الصراع بضربة قاضية سريعة أمر تعترضه عقبات، وتكاليفه باهظة للغاية.
لماذا تتجنّب واشنطن “الحرب الشاملة”؟
في قراءة المراكز البحثية والدوائر الاستراتيجية العسكرية في البنتاغون، يُنظر إلى “الحرب الشاملة” أو الغزو البري المباشر لإيران باعتباره خياراً كارثياً تحكمه محددات موضوعية صارمة:
– العقبة الجغرافية والمؤسسية: تتميز إيران بمساحة جغرافية شاسعة وتضاريس جبلية معقدة، إلى جانب بنية أمنية وعسكرية متماسكة تضم الجيش والحرس الثوري وقوات الباسيج، ما يجعل أي فكرة لاحتلال بري كابوساً لوجستياً مستحيلاً.
– الترسانة الاستراتيجية المحصّنة: تدرك واشنطن أن طهران تمتلك ترسانة هائلة من الصواريخ البالستية والمسيّرات المخبأة في منشآت عميقة تحت الأرض، وهي قادرة على إلحاق أضرار جسيمة بالحلفاء والقواعد الإقليمية.
– زلزال أسواق الطاقة: أي مواجهة عسكرية واسعة النطاق تعني شلل إمدادات النفط والغاز العالمية، وإدخال الاقتصاد الدولي في أزمات تضخمية حادة تعجز الإدارات الأميركية عن تحمّل تبعاتها الاقتصادية والانتخابية.
الرهان على استنزاف الصبر
بناءً على ما سبق، يبرز السيناريو الأرجح أميركياً في إدارة الصراع داخل ما يسمى “المنطقة الرمادية” (Gray Zone)؛ وهي منطقة واقعة تماماً دون عتبة الحرب الشاملة. تعتمد واشنطن هنا على توليفة من العقوبات الاقتصادية القصوى والحصار البحري والعمليات السيبرانية ومحاولات العزل الدبلوماسي.
الهدف الكامن هو الرهان على “ملل المجتمع الإيراني وعدم تحمّله للضغوط المعيشية”.
تفترض هذه المقاربة أن التضييق الاقتصادي وارتفاع معدلات التضخم قد يولّدان تململاً داخلياً يضغط بدوره على صانع القرار للقبول بتسويات سياسية، تريدها الولايات المتحدة الأميركية.
استراتيجية النفس الطويل: كيف يدير معسكر المقاومة المعركة؟
في علم الاستراتيجيات العسكرية الكلاسيكية، تنطبق على هذا المشهد مقولة المؤرخ والضابط الفرنسي ديفيد غالولا: “المقاتل غير النظامي ينتصر إذا لم يخسر، والجيش النظامي ينهزم إذا لم ينتصر سريعاً؛ فالوقت هو حليف الضعيف وعدو القوي.”
ومن منظور تحليلي، ولكي تنجح إيران ومعسكر المقاومة في إفشال هذا السيناريو، فإن هذا يتطلب رؤية هيكلية متكاملة ترتكز على النقاط التالية:
– إدراك ديمومة الصراع: فهم حقيقة أن الصراعات الكبرى لا تُحسم بضربة قاضية سريعة؛ فالتاريخ الإنساني والبيولوجي (مثل مناعة الجسد في مواجهة الميكروبات) يقوم على صراع وتوازن دائمين، ما يتطلّب جاهزية نفسية ومادية طويلة الأمد.
– الُّلحمة الداخلية بين الشعب ومؤسساته: الحفاظ على التواصل الفعّال والشفاف بين القيادة والمجتمع، والعمل المستمر على تخفيف الأعباء المعيشية لإغلاق الباب أمام أي محاولات لاختراق الجبهة الداخلية. وهنا تبرز أهمية اقتصاد المقاومة، ومسار الاعتماد على الذات، الذي اعتمدته القيادة الإيرانية منذ عقود.
– إدارة كلفة الوجود الأميركي: الاستمرار في إبقاء كلفة الوجود العسكري والسياسي الأميركي في المنطقة باهظة، بحيث تدرك واشنطن أن البقاء في حالة “اللا سلم واللا حرب” يكبّدها خسائر استراتيجية واقتصادية متراكمة تفوق أي مكاسب مرجوّة.
– توسيع التحالفات وكسر الطوق الدبلوماسي: تعزيز الشراكات الاستراتيجية مع القوى الدولية الكبرى مثل روسيا والصين، والنشاط الدبلوماسي المستمر لتقديم رواية سياسية متماسكـة في العالم الثالث.
حتمية النفس الطويل ومعركة الأقطاب
خلاصة القول إن الصراع الأميركي-الإيراني يتجاوز في جوهره حدود المواجهة العسكرية المباشرة؛ فهو اختبار لقدرة كل طرف على إدارة الزمن وتحمّل الكلفة والحفاظ على تماسكه الداخلي في صراع طويل يبدو أن الحسم السريع فيه غير ممكن. ومع تراجع احتمالات “الضربة القاضية” يصبح الاستنزاف المتبادل وإدارة القدرة على الصمود عوامل أكثر حسماً من التفوق في جولة واحدة.
ومن هنا، فإن معركة النفس الطويل لا تُحسم في الميدان وحده، بل في قدرة الدولة والمجتمع على امتصاص الضغوط الاقتصادية والأمنية والنفسية، وتقليص منافذ الاختراق الداخلي، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار والقدرة على الاستمرار. فالصراعات الممتدة، مثلها مثل أي منظومة حيّة، لا تقوم على لحظة حسم واحدة بقدر ما تقوم على التكيّف المستمر مع الضغوط وتغيير أدوات المواجهة وفقاً للظروف.
الحقيقة أن تداعيات هذه المواجهة لا تتوقف عند حدود إيران أو الولايات المتحدة. فاستمرارها يرتبط أيضاً بإعادة تشكيل أوسع لتوازنات النظام الدولي، في ظل انتقال تدريجي من لحظة هيمنة أحادية إلى بيئة أكثر تعدداً في مراكز القوة، مع تنامي أدوار روسيا والصين وقوى أخرى. ولذلك فإن موقع إيران في هذا التحول يتجاوز حسابات المواجهة الثنائية، ليصبح جزءاً من صراع أوسع حول شكل النظام الدولي وحدود النفوذ الأميركي فيه.
وهذا التحول، إن استمر، لن يكون بلا تكلفة؛ فالحروب الطويلة تفرض أثماناً اقتصادية وبشرية وسياسية على جميع أطرافها، وتختبر قدرتها على تحمل الضغوط قبل أن تختبر قدرتها على تحقيق المكاسب. لذلك تبقى القاعدة الاستراتيجية الأهم هي الاستعداد لامتداد الصراع، وعدم بناء الحسابات على افتراضات الحسم السريع، مع إبقاء قنوات الحركة السياسية والدبلوماسية مفتوحة
السيد شبل-الميادين
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




