أنساق على جبهات متعددة.. كيف ولماذا يتكثف التصعيد في تعز؟
تحضر تعز، جنوب غربي اليمن، في واجهة المواجهات العسكرية مع تكثيف جماعة أنصار الله هجماتهم على جبهات متعددة ودفعهم بأنساق قتالية متتابعة، في حين تخوض القوات الحكومية مواجهات عنيفة لصد الهجمات.
ويتزامن التصعيد مع إعلان القوات الحكومية تنفيذ ضربات جوية استهدفت تعزيزات وتحركات عسكرية لأنصار الله، وسط استمرار المعارك على محاور المحافظة الغربية والجنوبية والشرقية، وأطراف مدينة تعز.
ما نطاق المواجهات؟
ولا تبدو خريطة التصعيد محصورة في جبهة بعينها، إذ تتوزع المواجهات على نطاق جغرافي واسع، من الوازعية ومقبنة وجبل حبشي والكدحة غربًا، إلى حيفان وسامع والشقب والأقروض جنوبًا وشرقًا، وصولًا إلى جبهات غراب والربيعي وصالة المحيطة بالمدينة.
ويعكس هذا الاتساع تعدد محاور الضغط العسكري، ويضع طرق الإمداد والمواقع المرتفعة في صلب المواجهة، خصوصًا في ظل استمرار المخاوف من انتقال المعارك إلى خطوط المواصلات الحيوية التي تربط تعز بالمحافظات الجنوبية.
ويرى الخبير العسكري والإستراتيجي حسن جوني أن أنصار الله يمارسون ضغطًا على مدينة تعز عبر هجمات من عدة اتجاهات، مشيرًا إلى أن المحور الأخطر هو جبهة الأقروض-حيفان، التي يسعون من خلالها، وفق تقديره، إلى عزل تعز عن عدن وقطع طريق حيوي للقوات الحكومية.
وأوضح جوني أن هذا الضغط دفع القوات الحكومية إلى تكثيف الغارات الجوية خلال الساعات الماضية لوقف الهجمات ومنع تحقيق مكاسب ميدانية، مشيرًا إلى إعلانها إغلاق نحو 19 طريقًا واعتبارها مناطق عسكرية، ومنع المدنيين من التحرك فيها خشية استهداف أي تحركات.
ما أرقام القتلى؟
وفي ظل تواصل المعارك بين القوات الحكومية اليمنية وأنصار الله في عدة جبهات بمحافظة تعز، نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصادر مقتل نحو 80 شخصًا خلال الساعات الـ24 الماضية.
وأوضحت الوكالة أن المواجهات تتركز في مناطق عدة من ريف تعز، ولا سيما المناطق المطلة على الساحل الغربي.
ما المرتفعات وطرق الإمداد؟
في المحور الغربي والجنوبي الغربي، تتركز المواجهات في مناطق الوازعية ومقبنة وجبل حبشي والكدحة، حيث تكتسب المرتفعات الجبلية أهمية عسكرية بسبب إشرافها على مساحات واسعة وطرق تربط المحافظة بالساحل الغربي.
وتبرز جبهات حمير وبني بكاري والمنصورة ضمن مناطق المواجهة، في ظل محاولات التقدم والسيطرة على مواقع مرتفعة، بما قد يتيح تغيير طبيعة الانتشار العسكري في هذه المنطقة، ويؤثر في خطوط الإمداد والاتصال بين جبهات تعز والساحل.
أما في المحور الجنوبي والشرقي، فتتركز المواجهات في حيفان وسامع والشقب والأقروض، إلى جانب جبهات الأحكوم والأثاور، حيث تكتسب الطرق المؤدية إلى طور الباحة وهيجة العبد أهمية خاصة باعتبارها من المسارات الحيوية التي تربط تعز بمحافظات الجنوب.
ويجعل الموقع الجغرافي لهذه الجبهات أي تقدم عسكري فيها ذا انعكاسات تتجاوز حدود المواقع المتنازع عليها، إذ يرتبط بأمن حركة المسافرين والبضائع والإمدادات، وبقدرة المدينة على الاحتفاظ باتصالها بالمناطق الواقعة خارج نطاق الحصار.
وفي محيط المدينة، تتواصل المواجهات في جبهات غراب والربيعي وصالة، بالتزامن مع قصف قالت مصادر عسكرية إنه استهدف مواقع عسكرية وأحياء سكنية، ما يضيف أعباء أمنية وإنسانية على مدينة تعيش تداعيات سنوات من الحرب والحصار.
كما أفادت وكالة الصحافة الفرنسية اليوم بسعي أنصار الله إلى عزل مدينة تعز عبر الضغط على الطرق والمحاور المؤدية إليها.
ونقلت الوكالة عن مصادر عسكرية في الحكومة اليمنية أن أنصار الله فجّروا، الخميس، جسرًا على الطريق الوحيد الذي يربط تعز بمدينة عدن، العاصمة المؤقتة، مما أدى إلى توقف حركة المرور والنقل على الطريق.
لماذا تعز؟
تكتسب تعز أهميتها من موقعها الرابط بين المرتفعات الجبلية والساحل الغربي، فضلًا عن قربها من المخا وممرات الملاحة الدولية في جنوب البحر الأحمر وباب المندب.
ومن هذا المنظور، لا تنفصل المواجهات في غرب المحافظة عن التطورات العسكرية على امتداد الساحل، إذ تمنح السيطرة على المرتفعات المطلة على الطرق والمناطق الساحلية ميزة ميدانية تتصل بالمراقبة والتحرك والإمداد.
كما تبرز مسألة طرق الإمداد باعتبارها أحد أبرز أبعاد التصعيد، خصوصًا الطرق الجنوبية التي تربط تعز بمحافظات لحج وعدن، وفي مقدمتها طريق هيجة العبد وامتداداته نحو طور الباحة.
ويعني تهديد هذه الطرق زيادة الضغوط على مدينة تعز، وتقليص خيارات الحركة والإمداد، في وقت لا تزال فيه المحافظة تواجه آثار الحصار المستمر منذ سنوات.
ولا يقتصر الأمر على البعد الجغرافي؛ ففتح جبهات متزامنة يفرض على القوات الحكومية توزيع قدراتها الدفاعية والعسكرية على أكثر من محور، ويجعل احتواء الهجمات في مناطق متباعدة تحديًا ميدانيًا ولوجستيًا.
وتشير هذه المعطيات إلى أن التصعيد يحمل أبعادًا عسكرية وجغرافية متداخلة، فيما تبقى نتائجه مرتبطة بمسار التحركات الميدانية وما قد تفضي إليه من تغيرات في خطوط السيطرة والإمداد.
ما الأبعاد الرئيسية؟
ويرى الخبير العسكري والإستراتيجي اليمني الدكتور علي الذهب أن محافظة تعز تحظى بأهمية بالغة في معادلة الصراع، مستعرضًا ثلاثة أبعاد رئيسية تجعلها ذات أهمية عسكرية وجيوسياسية واقتصادية.
تأمين الساحل الغربي: يوضح الذهب أن السيطرة على الهضاب والمرتفعات الطبيعية الحاكمة في تعز تُعد وسيلة استراتيجية لتأمين الساحل الغربي وشريط المخا، نظرًا لطبيعة الامتداد الجغرافي للمنطقة.
أهمية الموقع بالنسبة إلى الجنوب: ويشير الذهب إلى أن تعز تمثل نقطة جغرافية رئيسية في مسار التحركات العسكرية باتجاه المحافظات الجنوبية، بما يجعل السيطرة على محاورها وطرقها عاملًا مؤثرًا في حركة القوات والإمدادات.
الثقل الاقتصادي والجيوسياسي: كما يرى الخبير الذهب أن محافظة تعز تتمتع بمركز اقتصادي وصناعي، إذ تحتضن مجموعات تجارية وشركات صناعية، إلى جانب أهميتها السكانية والسياسية.
ما وراء الجغرافيا العسكرية؟
وإلى جانب أهميتها العسكرية، تحمل تعز رمزية سياسية وتاريخية في المشهد اليمني، كما تتمتع بثقل سكاني وثقافي.
وقد جعلتها هذه المكانة، إلى جانب موقعها الجغرافي، حاضرة في حسابات الصراع اليمني منذ اندلاع الحرب، فيما ظل الحصار والمواجهات المتكررة عاملين مؤثرين في حياة سكانها وأوضاعهم الإنسانية والاقتصادية.
ومن هنا، فإن أي تغير في خطوط المواجهة داخل المحافظة لا يمكن قراءته باعتباره تطورًا عسكريًا محليًا فحسب، بل قد تكون له انعكاسات على التوازنات في غرب اليمن، وعلى الاتصال بين مناطق السيطرة المختلفة، فضلًا عن أمن الطرق والمناطق الساحلية.
وتضع التطورات الراهنة تعز أمام اختبار جديد، عنوانه القدرة على احتواء الهجمات المتزامنة وحماية طرق الإمداد، في وقت تتشابك فيه الحسابات المحلية مع الأهمية الاستراتيجية للساحل الغربي وباب المندب.
وبينما تستمر المواجهات على عدة محاور، يبقى مسار التصعيد مرتبطًا بنتائج التحركات الميدانية وما قد تفضي إليه من تغيرات في خارطة السيطرة والنفوذ على امتداد الساحل الغربي والطرق المؤدية إلى جنوب البلاد.
ما علاقة التصعيد بالإقليم؟
ويرى الخبير العسكري والأمني اليمني علي الذهب أن التصعيد في تعز يأتي في ظل تطورات إقليمية متسارعة، نظرًا إلى الموقع الجغرافي للمحافظة وارتباطها بالساحل الغربي وباب المندب وخليج عدن.
وأوضح الذهب أن منطقة جنوبي البحر الأحمر، وخليج عدن والمخا وأجزاء من محافظتي تعز ولحج، ترتبط جغرافيًا وعسكريًا، الأمر الذي يجعل التطورات في إحدى هذه المناطق ذات صلة بحركة القوات والإمدادات في المناطق الأخرى.
وأشار إلى أن المشهد الإقليمي يشهد تداخلًا بين عدة أطراف، في ظل التطورات العسكرية والسياسية المتصلة باليمن والبحر الأحمر.
ماذا عن التعبئة والتحركات الميدانية؟
في مواجهة التصعيد، برزت دعوات التعبئة العامة والنفير لدى الجانب الحكومي، في مؤشر على اتساع الاهتمام بمسار المعارك وتداعياتها المحتملة.
وعلى الأرض، تخوض القوات الحكومية مواجهات لصد الهجمات المتزامنة، مستفيدة من إسناد جوي أعلنته مصادر عسكرية، في حين يشارك أبناء المناطق والقبائل والمقاومة الشعبية في إسناد الجبهات والدفاع عن القرى والمواقع المهددة.
وكانت القوات الحكومية قد أعلنت التصدي لهجمات لأنصار الله في عدة محاور، كما تحدثت عن تنفيذ غارات جوية استهدفت تعزيزات وتحركات عسكرية.
غير أن حجم الخسائر الميدانية والنتائج النهائية لهذه العمليات يحتاج إلى بيانات مستقلة ومعلومات موثقة من مختلف أطراف المواجهة.
ويأتي ذلك في ظل معادلة عسكرية معقدة، إذ لا يتعلق التحدي بمجرد منع تقدم في موقع أو جبهة ما، وإنما بالحفاظ على خطوط الاتصال والإمداد، ومنع انتقال الضغط العسكري من الأطراف إلى محيط المدينة والطرق الحيوية.
وأمس، عقد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي مشاورات موسعة مع قيادات عسكرية وأمنية، لمناقشة تطورات الأوضاع الميدانية والمواجهات في محافظة تعز.
وذكرت وكالة سبأ أن العليمي استمع خلال المشاورات إلى إحاطات من عضوي مجلس القيادة الرئاسي، الفريق عبد الرحمن المحرمي والفريق محمود الصبيحي، ووزير الدفاع، ورئيس هيئة الأركان العامة، وقائد المنطقة العسكرية الرابعة، والقيادات العسكرية والأمنية في تعز، بشأن سير العمليات العسكرية ومستوى جاهزية القوات.
كما أكد العليمي أن العمليات العسكرية ستستمر وفق الخطط المقررة، وفق ما نقلته وكالة سبأ.
المصدر: الجزيرة
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




