السلام على جمال الذي حمل فلسطين حتى توقّف قلبه، والسلام على حسن الذي حملها حتى مزّقت قنابل الاحتلال جسده. السلام على عبد الناصر ونصر الله؛ فقد غاب الرجلان، وبقي النصر الكامن في الاسمين وعدًا مؤجّلًا.
عبد الناصر ونصر الله… قلوب أنهكها النزف الفلسطيني.
في الأيام الأخيرة من سبتمبر، يفتح التاريخ نافذتين على مشهدين يفصل بينهما أربعة وخمسون عامًا: القاهرة في الثامن والعشرين من سبتمبر 1970، وبيروت في السابع والعشرين من سبتمبر 2024.
في المشهد الأول، يتوقف قلب جمال عبد الناصر بعد أيام استنزفته فيها محاولة وقف نزيف الدم الفلسطيني في الأردن. وفي الثاني، تسقط عشرات القنابل الخارقة للتحصينات على حسن نصر الله وهو مجتمع مع قادة المقاومة في الضاحية الجنوبية لبيروت، في ذروة مواجهة فتحها حزب الله إسنادًا لغزة ودفاعًا عن لبنان.
وكأن اللغة أرادت، قبل التاريخ، أن تقرّب بين الرجلين: هذا جمال وذاك حسن، اسمان ينتميان إلى حقل الجمال؛ وهذا عبد الناصر وذاك نصر الله، وفي اللقبين حضور للنصر. غير أن المصادفة اللفظية، على فتنتها، لا تكفي لصناعة معنى. الذي منحها وزنها أن فلسطين حضرت في الساعات الأخيرة من حياة كليهما: همًّاً حمله الأول حتى توقّف قلبه، وقضيةً حملها الثاني حتى مزّقت قنابل الاحتلال جسده.
لا يتعلق الأمر بمطابقة تجربتين مختلفتين في الزمن والمرجعية والموقع. كان عبد الناصر قائد دولة ومشروع قومي عربي، وكان نصر الله قائد مقاومة ذات مرجعية إسلامية. امتلك الأول مؤسسات دولة وجيشًا، وقاد الثاني تنظيمًا نشأ في مواجهة الاحتلال. لكن اختلاف الطريقين لا يحجب نقطة اللقاء: الاستقلال في مواجهة الهيمنة، والكرامة في مواجهة الإذلال، وفلسطين بوصفها البوصلة التي لا ينبغي أن تضيع.
قلب أنهكه النزف الفلسطيني
في سبتمبر 1970، كانت المقاومة الفلسطينية تتعرض في الأردن لواحدة من أقسى محنها. اشتعل القتال بينها وبين الجيش الأردني، وسقط آلاف الضحايا، وبدا أن الدم العربي ماضٍ إلى هاوية يصعب الرجوع عنها. كان عبد الناصر يدرك أن استمرار المذبحة سيكسر ظهر المقاومة ويمزّق ما بقي من التضامن العربي بعد هزيمة يونيو 1967، فاستدعى القادة العرب إلى قمة طارئة في القاهرة، وأدار بنفسه وساطة شاقة بين الملك حسين وياسر عرفات.
لم يكتفِ بإصدار بيان أو توجيه نداء من بعيد. تابع التفاصيل، واستقبل الوفود، وخاض مفاوضات امتدت إلى ساعات الليل، حتى جرى التوصل إلى اتفاق يوقف القتال ويحمي ما يمكن حمايته من المقاومة الفلسطينية. كان جسده قد أنهكه المرض، وكان الأطباء يعرفون هشاشة قلبه، لكنه تصرّف كما لو أن الوقت المتبقّي ملك للقضية، لا لصاحبه.
في الثامن والعشرين من سبتمبر انتهت القمة، وأصرّ عبد الناصر على توديع ضيوفه بنفسه. كان أمير الكويت الشيخ صباح السالم الصباح آخر القادة المغادرين. وفي المطار ظهرت على الرئيس أعراض الأزمة القلبية. عاد إلى منزله في منشية البكري، وبعد ساعات قليلة رحل عن اثنين وخمسين عامًا.
لم تسقطه رصاصة في ميدان قتال، لكن آخر فعل سياسي قام به كان وقف نزيف الدم الفلسطيني. كأن قلبه الذي حمل أعباء مصر وآمال العرب لم يحتمل أن يرى المقاومة تُذبح بأيدٍ عربية، فانتزع اتفاقًا لوقف القتال، ثم أسلم الروح.
ثمانون طنًا لإسكات صوت
بعد أربعة وخمسين عامًا، كان المشهد الآخر يُكتب في بيروت. مساء الجمعة الـ 27 من سبتمبر 2024، استهدفت طائرات الكيان الصهيوني المقر المركزي لحزب الله في الضاحية الجنوبية، بينما كان السيد حسن نصر الله مجتمعًا بعدد من قادة الحزب. واستخدمت الغارة، وفق ما أعلنه جيش الاحتلال وأكدته تقارير صحافية غربية، ثلاثًا وثمانين قنبلة قاربت حمولتها ثمانين طنًا، فسوّت أبنية بالأرض واغتالت الرجل الذي أمضى أكثر من ثلاثة عقود في قيادة المقاومة.
كان الاجتماع يجري في قلب مواجهة مفتوحة منذ الثامن من أكتوبر 2023، حين قرّر حزب الله إسناد غزة والضغط على جيش الاحتلال من الجبهة الشمالية. وظلّ نصر الله يربط وقف هذه الجبهة بوقف العدوان على القطاع، رغم التصعيد والاغتيالات والتهديد بحرب شاملة. ولهذا لم يكن استهدافه منفصلًا عن فلسطين؛ فقد أراد الاحتلال أن يقطع الجبهة التي رفضت أن تترك غزة وحدها، وأن يغتال الصوت الذي أصرّ على وحدة الميدان والمصير.
توقف قلب عبد الناصر بعد أن استنزفته مساعيه لوقف مذبحة المقاومة الفلسطينية، واستشهد نصر الله تحت ركام القنابل وهو يقود مقاومة اختارت إسناد غزة. اختلفت وسيلة الرحيل، وبقيت القضية نفسها حاضرة في آخر الطريق.
من البيوت البسيطة إلى وجدان الملايين
لم يأت الرجلان من قصور الحكم ولا من بيوت الثروة. كان عبد الناصر ابن موظف بسيط في البريد، تنقّل مع أسرته بين مدن مصر وقراها، وعرف مبكرًا حياة الطبقة الوسطى الصغيرة وأحلام الفقراء. وُلد نصر الله في أسرة فقيرة في أحد أحياء بيروت الشعبية، ثم عرف التهجير إلى جنوب لبنان، وصعد داخل العمل السياسي والمقاوم حتى أصبح أمينًا عامًا لحزب الله عام 1992.
هذه الجذور الشعبية لم تكن تفصيلًا في السيرة؛ فقد صنعت لغة كل منهما وطريقته في مخاطبة الناس. تحدث عبد الناصر بلسان مصري بسيط يصل إلى الفلاح والعامل، وحمل صوته عبر المذياع معنى الكرامة الوطنية إلى ملايين العرب. وجمع نصر الله في خطاباته بين الفصحى واللهجة اللبنانية، وبين الجدية والسخرية، فكانت إطلالاته مناسبات تترقبها المنطقة، وينصت إليها أنصاره وخصومه وقيادات العدو في آن واحد.
لم تكن الكاريزما عندهما مجرد حضور على المنبر. استندت إلى قدرة نادرة على تحويل الخوف إلى ثقة، ومنح الإنسان العربي شعورًا بأنه يستطيع أن يرفض ويقاوم. قال عبد الناصر للعربي الخارج من زمن الاستعمار إن بلاده تستطيع امتلاك قرارها وثرواتها، وأثبتت المقاومة بقيادة نصر الله للعربي المحاصر بصورة الجيش الصهيوني الذي لا يُقهر أن هذا الجيش يمكن أن ينسحب تحت الضربات ويفشل في تحقيق أهدافه.
مشروعان والاستقلال جوهرهما
بنى عبد الناصر مشروعه حول تحرير الإرادة الوطنية. حقّق جلاء القوات البريطانية، وأمّم قناة السويس، وشيّد السد العالي، وقاد مشروع الإصلاح الزراعي، ووسّع قاعدة التعليم والتصنيع، وساند حركات التحرر في الجزائر وأفريقيا والعالم العربي. كانت العدالة الاجتماعية عنده جزءًا من الاستقلال؛ لأن الوطن الذي يطرد المحتل ولا ينصف أبناءه يظل ناقص السيادة.
أما نصر الله، فقد ارتبط اسمه بتحرير معظم الجنوب اللبناني عام 2000 بعد اثنين وعشرين عامًا من الاحتلال، ثم بصمود المقاومة في حرب يوليو 2006 وإفشال أهداف العدوان. بنى مع رفاقه قوة فرضت على الكيان حسابًا جديدًا للكلفة، ودفع من بيته ثمن الطريق حين استشهد ابنه هادي في مواجهة قوات الاحتلال عام 1997. لم تكن المقاومة عنده شعارًا يُلقى على الآخرين، بل خيارًا دخل إلى حياته وبيته وأسرته.
كان عبد الناصر يواجه الاستعمار القديم ومحاولات إخضاع القرار العربي، وكان نصر الله يواجه الاحتلال الصهيوني المسنود بالقوة الأميركية. وبين المشروعين بقي جوهر مشترك: لا استقلال مع قرار مرتهن، ولا كرامة في ظل الاحتلال، ولا أمن عربيًا يُبنى على ترك فلسطين وحيدة.
شعبية عبرت الوطن والطائفة
تجاوز عبد الناصر حدود مصر منذ تأميم قناة السويس ومواجهة العدوان الثلاثي، فرأت فيه شعوب آسيا وأفريقيا والعالم العربي صورة القائد الذي يتحدى الإمبراطوريات الكبرى. وعندما رحل، خرجت الملايين في القاهرة، وامتلأت شوارع مدن عربية بعيدة بحشود تبكيه كأن كل بيت فقد واحدًا من أبنائه.
وتجاوز نصر الله، ولا سيما بعد تحرير الجنوب عام 2000 وحرب يوليو 2006، حدود لبنان والطائفة والمذهب. أصبح وجهًا للمقاومة لدى ملايين العرب، ورمزًا حاضرًا بين قوى وحركات ترفض الهيمنة الإمبريالية وتدافع عن حق الشعوب في الحرية وتقرير المصير. لم تمنع حملات التحريض ومحاولات العزل اسمه من البقاء في قلوب الفلسطينيين الذين رأوا فيه قائدًا نذر حياته لنصرة قضيتهم، ورفض أن يغلق جبهة الإسناد بينما غزة تُباد.
الأممية هنا ليست مصطلحًا أيديولوجيًا بقدر ما هي قدرة القائد المحلّي على التعبير عن تطلّع إنساني يتجاوز حدوده. اكتسب الرجلان هذه الصفة لأنهما خاطبا معنى التحرر لدى الشعوب، وربطا مصير بلديهما بمعركة أوسع ضد الاحتلال والهيمنة. ولهذا لم يبقَ عبد الناصر مصريًا وحده، ولم يبقَ نصر الله لبنانيًا أو ابن طائفة بعينها؛ صار كلاهما جزءًا من ذاكرة المقاومين والثوار والأحرار.
حين يصبح الغياب حضورًا
لا يصنع الموت عظمةً لم تكن موجودة، لكنه يكشف مقدار ما تركه الراحل في الناس. وقد كشف رحيل عبد الناصر واغتيال نصر الله أن الزعامة الحقيقية لا تُقاس بعدد سنوات الحكم أو القيادة، بل بقدرة صاحبها على أن يتحول من شخص إلى معنى.
بقي عبد الناصر حاضرًا لأن الأسئلة التي حملها لم تُحسم: الاستقلال، والعدالة الاجتماعية، والوحدة العربية، وتحرير فلسطين. ويبقى نصر الله حاضرًا لأن الاحتلال الذي قاومه لا يزال جاثمًا، ولأن غزة التي أسندها لم تستردّ حقها، ولأن القنابل تستطيع أن تقتل القائد، لكنها تعجز عن قتل الفكرة التي استقرّت في ضمير شعب.
السلام على جمال الذي حمل فلسطين حتى توقّف قلبه، والسلام على حسن الذي حملها حتى مزّقت قنابل الاحتلال جسده. السلام على عبد الناصر ونصر الله؛ فقد غاب الرجلان، وبقي النصر الكامن في الاسمين وعدًا مؤجّلًا، وبقيت فلسطين قضية.
المصدر: الميادين
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




