الصراع الأميركي – الإيراني ما زال يراوح بين هبّات ساخنة من التصعيد، مع لجوء طرفيه المتكرر إلى تكتيك “حافة الهاوية”، وأخرى باردة تهب مع كل مبادرة جديدة، أو حركة نشطة للوسطاء.
كيف نفسر عودة ترامب للتركيز على “النووي الإيراني”؟
أخرجت واشنطن أزمة مضيق هرمز من دائرة البحث والتفاوض، وصدّرت ملف إيران النووي رأس أولوياتها التفاوضية، باعتباره شرطاً مسبقاً لأي اتفاق من أي نوع، مع طهران، وهي التي كانت قبلت في مذكرة إسلام آباد بإرجائه إلى مرحلة لاحقة من المفاوضات، تبدأ بعد ستين يوماً من مرحلة انتقالية، موليةً جُل اهتمامها على فتح المضيق، الذي كان مفتوحاً قبل حربٍ تدخل شهرها الثامن.
لا يعني ذلك بحال، إن المضيق فقد أهميته الاستراتيجية في حسابات واشنطن واستراتيجيتها، الأمر بخلاف ذلك، فالمضيق ما زال يتمتع بأهمية حاسمة لاقتصادات العالم وأسواق الطاقة وحسابات ترامب الانتخابية، ولقد اكتسب أهميةً جديدة فوق أهميته القديمة، بالتطورات المتسارعة التي وقعت في اليمن، والتي وضعت أنصار الله الحوثيين على عتبات “باب المندب”.
لكن إدارة ترامب، والأخير شخصياً، لا يَكفّان منذ بضعة أشهر عن القول بأن المضيق بات مفتوحاً بالكامل، وأن واشنطن فرضت سيطرتها التامة عليه، وأن ملايين براميل النفط باتت تخرج منه يومياً، وأحياناً، بمعدلات تفوق ما كان عليه الحال قبل الثامن والعشرين من شباط/فبراير الفائت…
السردية الأميركية تتعمد القول، بأن طهران فقدت زمام السيطرة والتحكم، وأن ورقة هرمز أفلتت من يديها، وأن ما كان ذخراً لها، صار عبئاً عليها، بعد أن أُحكِمت أطواق الحصار والعقوبات على إيران، براً وبحراً وجواً، وكل ذلك من ضمن ما أسماه ترامب ووزير خزانته: المنبوذ الاقتصادي”.
هيمنة هذه السردية على الخطاب السياسي والإعلامي الأميركي، وتكرارها صبح مساء على ألسنة قادة البيت الأبيض والخارجية ووزارة الحرب، وترديد صداها من قبل ببغاوات “الناطقين الأميركيين”، من باحثين وخبراء ومسؤولين سابقين من على مختلف الشاشات العربية (لقد باتوا يشبهوننا، بل وسبقونا في هذا المضمار)، كل ذلك، يجعل من الصعب على المفاوض الأميركي أن يعتمد تكتيكاً تفاوضياً يبدأ بالمضيق، فكان أن اهتدى إلى ورقة الملف النووي من جديد، على اعتبار أنه كان يوماً في صلب أهداف الحرب الأمريكية على إيران، والحديث عنه، لا يغلق الباب بالمطلق، أمام أحاديث ومفاوضات في بقية الملفات العالقة، وفي صدارتها ملف “المضيق”.
في التفاوض الفعلي، لا تُخرِج واشنطن المضيق من المباحثات والاتصالات مع إيران عبر الوسيطين الباكستاني والقطري، الموضوع حاضر، وحاضرٌ بقوة، وفي صدارة ملفات البحث، والثمن الذي تطلبه إيران (نقاطها السبع)، مرتفع إلى الحد الذي يملي على واشنطن، أن تطلب أشياء أخرى من إيران في المقابل، هنا تبدو الولايات المتحدة وهي ماضية في تكتيك العصا والجزرة، تريد لرزمة الجزر التي تطلبها إيران، ثمناً أبعد من مجرد فتح المضيق، تريد التزامات تتعلق بالشق العسكري من برنامجها النووي، وهو الشق الذي تنفي طهران وجوده أصلاً، وتتخوف من أن واشنطن تطرحه كذريعة لتجريدها من الحق في الاستخدامات المدنية والسلمية للطاقة النووية.
ضباب يلف المضيق
تزعم إدارة ترامب بأن المضيق في عهدتها وتحت سيطرتها، وأن مليار برميل من النفط قد غادره خلال شهر واحد، وأن الكميات العابرة منه، من مختلف الدول المنتجة، باستثناء إيران، عادت ليومياتها السابقة للحرب، وأن الأخيرة وحدها، عجزت، وما زالت تعجز عن تصدير قطرة واحدة منه من شقوق الحصار “الفولاذي المحكم” الذي تضربه القطع البحرية الأمريكية على الموانئ والجزر والسواحل الإيرانية.
في المقابل، تؤكد إيران، أن المضيق ما زال في قبضة الحرس الثوري، وأنه مغلق بإحكام، وأن أحداً لن يجرؤ على المجازفة بمحاولة فتحه عنوة، تحت طائلة الضربات المميتة لبحريتها وحرسها، مع أنها لا تستبعد على ألسنة ناطقين باسمها، أن تتمكن أعداد قليل من السفن والناقلات من المرور مُتخَفيّةً عبره، تحت جنح الظلام، وبعد إطفاء كافة أجهزة الملاحة والاتصالات ذات الصلة.
مؤسسات دولية مختصة بتتبع حركة الملاحة حول العالم، تصدر تقارير يومية وأسبوعية، تقدر أعداد السفن العابرة للمضيق عادة ما بين 6 – 10 سفن يومياً، نزولاً من 120 – 140 سفينة وناقلة، قبل الحرب…هذه التقارير تتلقفها طهران بوصفها مصداقاً لروايتها، وتقلل من شأنها واشنطن، بذريعة أن هذه المؤسسات لا تستطيع رصد حركات مرور السفن التي تعطل أجهزتها، وتقودها سفن حربية أمريكية من ممرات جنوبية آمنة تحت جنح الظلام.
والحقيقة أن الأرقام الدقيقة باتت ضحية أخرى من ضحايا حرب السرديات المندلعة بقوة بين الجانين، كرجع صدى للمعارك الحربية وحروب الطلعات الجوية والصواريخ والمسيّرات … نحن لا نعرف على وجه الدقة ما يجري، والأرقام مسيسة على نحو كبير، سيما حين ينطق بها دونالد ترامب، الرجل الذي اشتهر بأكاذيبه ومبالغاته، وعدم احترامه للأرقام والحقائق التي لا تخدم مصالحه، ولا تنسجم مع “مزاجه” لحظة النطق بها.
لكن جولة على أسعار النفط، تشي بأن الحال في المضيق ليس على ما يرام، وأن أعداداً متواضعة فقط (لا نعرفها على وجه الدقة)، من السفن والناقلات تعبر المضيق يومياً، وأن أسعار الشحن والتأمين ما زالت شديدة الارتفاع، وأن الخام الذي اجتاز عتبة المئة دولار للبرميل، لا يعاود الهبوط عنها …. المضيق ما زال يتسبب بصداع شديد لواشنطن، ولا أحسب أن تصريحات ترامب المتبجحة ستنطلي على المفاوض الإيراني.
سبعة أيام، سبعة شروط
المبادرة التي تقدمت بها طهران، والتي عرفت بمبادرة الأيام السبعة والشروط السبعة، أرادت بها طهران تقديم “غواية” فتح المضيق سريعاً لترامب، علّها تنجح في دفعه للهبوط على شجرة التعنت والتصلب … لكنها لم تنجح، ولم تؤت أوكلها بعد، وفي ظني أن الأمر عائد لسببين اثنين:
الأول؛ أن المبادرة تستبطن شروطاً سبعة، هي في مجملها إعادة صيغة وتكثيف لمذكرة التفاهمات المبرمة بين رئيسي البلدين المتحاربين، لم تتراجع إيران عن أي من مطالبها الجوهرية، وإن كانت قد عمدت إلى اقتراح تسريع الإجراءات التنفيذية، بحيث يبدأ العد صبيحة اليوم التالي لقبول واشنطن بالعرض الإيراني، ويُفتح المضيق في اليوم السادس، وتُستأنف المفاوضات حول بقية الملفات في اليوم السابع …
ظنت طهران أن ثمة “غواية” في العرض، قد يبتلعه ترامب، وهو ما لم يحصل، فالرجل سبق أن تلقى سيلاً من الاتهامات والانتقادات لتنازلاته غير اللائقة أمام طهران في المذكرة، والمبادرة الجديدة لا تختلف في جوهرها عن المذكرة القديمة التي نعاها مراراً وتكراراً، وسطّر في غير مرة، شهادة وفاتها.
والثاني؛ ويتعلق بالتوقيت، فالعرض الإيراني يأتي عشية الانتخابات النصفية الحاسمة لمستقبل الرئيس وحزبه الجمهوري، وهو أمر يجعل من الصعب على الرئيس “المنتفخ بالأنا المتضخمة” أن يرتضي على نفسه خوض غمارها، وسط طوفان جديد من الانتقادات والاتهامات بالضعف والتنازل أمام إيران، وخسارة الحرب التي يقول يومياً، بأنه انتصر فيها، وأن انتصاره كان مطلقاً.
لكن في المقابل، لا يريد ترامب أن يغلق باب الدبلوماسية، فهو في الأساس لا يرغب بالعودة إلى ساحات وميادين حرب مفتوحة مع إيران وحلفائها، قد تمتد وتتصاعد في عموم الإقليم …. من هنا جاء الزج على نحو فج، بالملف النووي، وبات برنامج إيران حديثه الدائم وشغله الشاغل، وصار الاتفاق بشأنه، شرطاً مسبقاً لأي تقدم للدبلوماسية ومسارات التفاوض والوساطة.
هنا نفتح قوسين في معرض قراءة وتفسير (تخمين) الأسباب التي حدت بالرئيس الأميركي لتبديل وتغيير “أجندة التفاوض وأولياتها وترتيبها” مع إيران… يقول قائل، إن إحساس ترامب بأن إيران ترزح تحت وطأة العقوبات والحصار، قد أنهكت أو هي بصدد أن تنهك، وأن قدرتها على الصمود بات مشكوكاً بها، وأن “النصر الذي حلم به، بات صبر ساعة”، فاخذ يتشدد ويرفع في سقف مطالبه.
في هذا السياق، يقول هذا الفريق أن طهران أظهرت من المرونة ما شجع ترامب على رفع سقف مطالبه وتجاوز مذكرة التفاهم، في إشارة إلى مبادرة الأيام السبعة، وحديث الرئيس بزشكيان عن استعداد طهران للتخلي عن اليورانيوم عالي التخصيب، ودعم الحرس الثوري لخيار التفاوض… هذا أمر لا نستبعده بأي حال من الأحوال، فلطالما نظرت الدوائر الاستعمارية لأي مرونة يبديها أي فريق من خصومها بوصفها دلالة على الضعف وقرب الانهيار.
لكن قائلاً آخر يقول: أن ترامب ما زال متلهفاً لإغلاق حسابه مع إيران، وأن شروطها السبع لفتح المضيق، صعبة للغاية، وغير قابلة للبلع والهضم، ما لم تضاف إليها جرعة نووية، تحسن شروط الصفقة أمام جمهوره وفي أنظار ناخبيه، بحيث يمكنه الادعاء، أنه حصل على صفقة أفضل من “المذكرة”، وأن وعده بعدم تمكين إيران من الحصول على سلاح نووي، قد أنجز…سيما وأن طهران ما فتئت تقول بأن برنامجها سلمي، وأن “فتوى المرشد الراحل” ما زالت قائمة.
في مطلق الأحوال، فإن الصراع الأميركي – الإيراني، ما زال يراوح بين هبّات ساخنة من التصعيد، مع لجوء طرفيه المتكرر إلى تكتيك “حافة الهاوية”، وأخرى باردة تهب مع كل مبادرة جديدة، أو حركة نشطة للوسطاء … لحظة كتابة هذه السطور، كنا عرضة للهبات الباردة، ولكن ربما تلفح الهبات الساخنة وجوهنا قبل أن يجد هذا المقال طريقه للنشر، وكم من مرة في هذا الصراع، بلغ بنا التفاؤل أوجه، قبل أن ينقلب إلى نقيضه، وتتقافز القلوب إلى الحناجر.
المصدر: الميادين
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




