تشير أحداث ووقائع وسياسات ومواقف عديدة ومتراكمة إلى أن العلاقة بين الولايات المتحدة الأميركية خصوصاً (والغرب الاستعماري) والكيان الصهيوني، هي علاقة من نوع استثنائي. لا تُختصر هذه العلاقة بالمعادلة التقليدية القائمة بين الكبير والصغير، وبين الآمر والمأمور، وبين المشغّل وأدواته. يكتسب تناول هذا الموضوع، في الحقبة المعاصرة، أهمية وخطورة بالغتين بسبب تحوّله إلى عامل مؤثّر جداً في توليد أو تعميق أزمات كبيرة: متناسلة ومنتشرة ومتفاقمة أو مستعصية. لا تقتصر تلك الأزمات على فلسطين التي تمّ احتلال أكثرها وتشريد قسم كبير من شعبها، وملاحقة الفلسطينيين جميعهم الآن بالاغتيالات والتشريد والإبادة. تتداعى تلك الأزمان، عبر تفاعلاتها وتعقيداتها لتجعل من منطقة الشرق الأوسط حقل صراعات ونزاعات واضطرابات وتحوّلات وانتهاكات وحروب تتوسّع باطّراد.
في الأثناء، يجاهر قادة الكيان الصهيوني بمشروعهم التوراتي الأسطوري لإنشاء «إسرائيل الكبرى». وهو مشروع يتبلور عملياً (من خلال التوسع العدواني في فلسطين ولبنان وسوريا)، في كنف مشاريع أميركية استهدفت تكراراً «الشرق الأوسط الواسع». هذه المشاريع تقع، بدورها، في نطاق مشروع هيمنة كوني أميركي بدأ يتوسل القوة والعدوان، أداة أساسية في العلاقات الدولية، خصوصاً منذ غزو واحتلال أفغانستان (2002) والعراق (ربيع عام 2003).
المرحلة الترامبية دفعت المسار المذكور إلى حدّه الأقصى. الأسباب متعدّدة: تعاظم النزعة الأميركية للتفرد. تفاقم الأزمة الاقتصادية الأميركية. تصاعد النفوذ الصهيوني في الإدارة الأميركية عبر ترامب نفسه. شخصية ترامب النرجسية والمتعالية والجامحة. سيطرة أحزاب «الصهيونية الدينية» الفاشية العنصرية (بقيادة نتنياهو) على القرار في الكيان الصهيوني. دفع الرئيس ترامب، في ولايتيه السابقة والحالية، الدعم الأميركي للكيان الصهيوني، إلى ذروة غير مسبوقة عبر انضمام الجيش الأميركي إلى مغامرة عدوان الجيش الإسرائيلي الواسع على الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
أضفى ذلك على الصراع طابعاً دولياً: أولاً، بسبب انخراط واشنطن الكامل فيه، وثانياً بسبب صمود إيران السياسي والعسكري، ما أفشل ولا يزال خطط وأهداف واشنطن وتل أبيب. نجمت عن توسيع الصراع نتائج وأزمات كبيرة وخطيرة خصوصاً في سلاسل إمداد الطاقة والأسعار، فضلاً عن التوتر والصدام العسكريَّيْن المرافقيْن، ما قد يهدّد السلام العالمي برمّته!
يقود الرئيس ترامب هذا الصراع، منذ نحو سنة، بشكل مباشر. هو يختصر الحل بمطلب إسرائيلي محوري: منع إيران «من امتلاك السلاح النووي». هذا بالإضافة إلى مطالب إسرائيلية أساسية أخرى، أبرزها تجريد أطراف المقاومة من سلاحها خصوصاً في لبنان وفلسطين والعراق.
طبعاً، انخراط واشنطن في الصراع طرفاً داعماً وراعياً وحامياً ومحرّضاً (كما في عدوان 2006) للكيان الصهيوني، ليس أمراً جديداً. لماذا انتقلت واشنطن، الآن، إلى المشاركة العسكرية المباشرة؟ بكلام آخر، لماذا دفعت واشنطن علاقتها بتل أبيب إلى هذا المستوى النوعي والمثير -بالضرورة- للجدل، لماذا أصبح ترامب «أكبر رئيس أميركي داعم وصديق لإسرائيل» على حدّ تعبير نتنياهو؟!
لا يتسع المجال هنا لإيفاء هذا الموضوع حقّه. سنكتفي بالعناوين الأساسية:
– تضم الولايات المتحدة أكبر وأهم كتلة يهودية في العالم بعد كيان العدو. هجرة هائلة بعد الاضطهاد الأوروبي في القرن الـ19 هي التي دفعت معظم هؤلاء إلى بلاد «الفرص». حصل ذلك بتدخل نشيط ومُخطط له من قبل كبار المتموّلين اليهود الذين عملوا على خطَّي دعم الهجرة إلى فلسطين في نطاق إنشاء «وطن قومي»، وبناء موقع مالي/ سياسي/ قيادي فاعل خصوصاً في نيويورك. اقترن ذلك بتمكّن عدد من كبار المتموّلين اليهود بالحصول على «وعد بلفور» في تقاطع مصالح مع المستعمر البريطاني الذي كان يخطّط للحفاظ على استمرار نفوذه وهيمنته بعد خروجه.
– تمكّنت الحركة الصهيونية من أن تقود الخطوات العملية التأسيسية. فرعها الأميركي أصبح الأقوى. نَقَلَ الرعاية والوصاية من لندن إلى واشنطن بعد الحرب العالمية الثانية.
– الرأسمال اليهودي اندمج واندرج بقوة في بنية الرأسمالية/الإمبريالية الأميركية. سيطر على قطاعات مهمة جداً في عالم المال والأعمال والإعلام والعلاقات الخارجية: في صيغة مافيات باتت عاملاً مهماً في التأثير على الانتخابات والمناصب الداخلية، وعلى السياسات والعلاقات الخارجية. نفوذ مركّز وهائل على الكونغرس بغرفتيه…هذا إلى إدارة مافيات أمنية وتجسّسية: سرقت الابتكارات العلمية. مارست الترغيب والترهيب لإيصال الرؤساء أو القادة، أو لاغتيالهم إذا لزم الأمر، كما حصل للرئيس كندي!
– تشجيع وتطوير «المسيحية الصهيونية» وتحويلها إلى أكبر كتلة ناخبة أميركية (ستة ملايين)، ما مكّنها لاحقاً من إنجاح رئيسين هما ريغان (1984) وبوش الأب (1988) (يراجع كتاب الباحث محمد نعمة فقيه – دار الفقيه للنشر 2025).
– تفاعل مباشر ما بين تحوّلات في البنية الأميركية وداخل كيان العدو أطلق مساراً متصاعداً لقوى «الصهيونية الدينية» التي تقود إسرائيل اليوم بزعامة نتنياهو وبدور كبير لبن غفير وسموتريتش (بدعم من السفير الصهيوني الأميركي هاكابي المؤيّد لإنشاء «إسرائيل الكبرى»).
ترامب وليد هذا المسار، ووليد الأزمة الاقتصادية، كما ذكرنا. وهو، قبل ذلك وبعده، شخصية إشكالية متعالية ومثيرة للاستغراب: منذ بدايته في جزيرة إبستين إلى استهلال ولايته الأولى بالانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، إلى تهديده المتكرر بمحو إيران عن الخارطة!
فلسطين وشعبها كانا الضحية الأساسية والأكبر لهذا المسار العدواني. دفعا أعظم وأفدح الأثمان وأكثرها هولاً. لكن هذا الشعب لم يقف يوماً مكتوف الأيدي. في مواجهة أبشع الجرائم، قدّم أروع التضحيات واجترح أعظم البطولات.
ثمّة نقيضان يشغلان العالم حالياً: الأول وحشية الإمبريالية الاستعمارية وهمجية وفاشية الحركة الصهيونية المُندرجة في صلب بنيتها الحالية (هنا السر الجوهري لقوتها). الثاني، بطولات وتضحيات وعدالة قضية شعب فلسطين وشجاعة داعميه الحقيقيين. رغم الآلام العظيمة، ثمة تحوّلات واعدة في كل مكان، أهمها في أميركا نفسها، وفي نيويورك، معقل الصهيونية الأكبر، بالدرجة الأولى! وهي تحوّلات كتبها الشهداء والمقاومون والصامدون… بأحرف من نار ونور تشعّ في قلوب وعقول كل أحرار العالم!
* كاتب وسياسي لبناني
المصدر: جريدة الأخبار
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




