مشهدان سيطرا على خطاب رئيس الحكومة “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو في الأمم المتحدة، ويستحقان التوقف عندهما، لأنهما يكشفان الكثير.
المشهد الأول: عشرات الوفود الدبلوماسية تغادر القاعة عندما بدأ نتنياهو خطابه، والمشهد الثاني: نتنياهو يرفع جهاز البايجر، الذي ارتبط اسمه بالعدوان “الإسرائيلي” في 17 أيلول/سبتمبر 2024 وعملية تفجير أجهزة الاتصال في لبنان، قائلًا إن حزب الله يتذكر هذا اليوم جيدًا.
قد يختلف الناس في تفسير كل مشهد على حدة، وقد يؤيد أناس مشهدًا ويعترضون على آخر، لكنّ جمعهما معًا يطرح سؤالًا لا يمكن تجاهله: ماذا يعني أن يأتي “رئيس حكومة” إلى أهم منبر دولي حاملًا في يده رمزًا لعملية إجرامية فظيعة، بينما يختار دبلوماسيون بالعشرات أن يتركوا القاعة بدلًا من الاستماع إليه؟
البايجر الذي حمله نتنياهو إلى الأمم المتحدة متباهيًا به، ليس مجرد جهاز إلكتروني. لقد أصبح في وعي اللبنانيين، لا سيما من أنصار وبيئة المقاومة، رمزًا لعملية إرهابية أدت إلى ارتقاء شهداء وإصابة آلاف المواطنين اللبنانيين، بينهم أطفال ونساء، إصابات بليغة، لا سيما في العيون والأيدي، وسيظل هؤلاء يحملون في نفوسهم وعلى أجسادهم بصمات هذه العملية الإرهابية.
هذه ليست تفاصيل صغيرة يمكن أن تختفي خلف كلمة «عملية». هنا تحديدًا تبدو صورة نتنياهو وهو يحمل البايجر في الأمم المتحدة مستفزة ومحمّلة بمعنى أكبر من الجهاز نفسه. إنه يراه رمزًا لقدرة كيانه على الوصول إلى خصومه في أي مكان، أما الذين أصيبوا به، وكثير من أحرار هذا العالم، ومن بينهم مغادرو القاعة، فقد رأوا فيه شيئًا آخر تمامًا: جهازًا كان في لحظة عادية أداة اتصال، ثم تحول فجأة إلى أداة إرهاب وتفجير.
المجرم يتحدث عن العملية من فوق أهم منصة في العالم، والضحية يعيش نتائجها في جسده ونفسه. والمفارقة لا تتوقف هنا، إذ قبل أن يبدأ نتنياهو خطابه، كانت المقاعد أمامه تفرغ. وقد يقال إن لكل دولة حساباتها، وإن مغادرة القاعة لا تعني بالضرورة موقفًا موحدًا من كل سياسات “إسرائيل”، لكن الصورة نفسها كانت كافية. ففي الأمم المتحدة، حيث يفترض أن تصغي الدول إلى بعضها بعضًا، يصبح خروج الدبلوماسيين من القاعة رسالة سياسية، حتى لو اختلفت دوافع كل دولة عن الأخرى. وهنا تلتقي الصورتان بطريقة يصعب تجاهلها: نتنياهو يحمل البايجر، والوفود تحملها أقدامها وتغادر. هو يريد أن يقول: انظروا ماذا نستطيع أن نفعل، وهم، بخروجهم، يستنكرون كل أفعال نتنياهو وكيانه، وكل إجرامهما في فلسطين ولبنان. ولعل خروج هذه الوفود من القاعة هو أول خروج تشهده قاعات الأمم المتحدة بهذا الحجم الكبير، ولعله الاعتراض الأكبر على سياسات الكيان “الإسرائيلي”، الذي يحصل في الأمم المتحدة، وهنا نتذكر ما قاله يومًا الشهيد الكبير السيد حسن نصر الله: إذا أصر رئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو على مواصلة المعركة فإنه يأخذ “إسرائيل” إلى الخراب.
فيصل الاشمر-العهد
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




