مع انطلاق العام الدراسي والجامعي، لم تعد أزمة المحروقات تتوقف عند محطات الوقود، بل وصلت مباشرة إلى جيوب الأهالي عبر فاتورة «الفان» أو الباص المدرسي، حيث تلقى عدد من الأهالي رسائل من أصحاب وسائط النقل المدرسي تُبلغهم بأن التسعيرة لم تعد تُحتسب مرة في السنة أو فصليًا كما جرت العادة، بل باتت «تُسعَّر كل شهر بشهره»، أسوةً بجداول المحروقات نفسها.
وبحسب المعلومات، كان بعض المدارس يدرج بدل النقل ضمن الرسوم السنوية التي تُدفع دفعة واحدة أو على أقساط في بداية العام، إلا أن هذا النظام تغيّر هذه المرة.
فمع الارتفاع شبه المتواصل في أسعار المحروقات، لم يعد بإمكان أصحاب «الفانات» «تجميد» السعر لأشهر مقبلة قد يخسرون فيها إذا واصل سعر البنزين والمازوت ارتفاعه.
وترافقت هذه الزيادات مع قفزات متتالية في سعر خام برنت عالميًا، من نحو 96 دولارًا للبرميل مطلع أيلول إلى ما يتجاوز 105 دولارات منتصف الشهر، على وقع تصعيد التوترات بين إيران والولايات المتحدة، ومخاوف من تعطّل الإمدادات عبر مضيق هرمز، إضافة إلى العمليات التي نفذها أنصار الله في المنطقة.
ولأن تسعيرة المحروقات في لبنان تُبنى على معادلة تضم الرسم الجمركي ومتوسط أسعار البنزين والديزل عالميًا، فإن أي اهتزاز في الأسواق الدولية ينتقل خلال أيام إلى المحطة اللبنانية، ومنها إلى جيب كل عائلة ترسل ابنها بالفان.
وفي بيان أصدرته عشية بدء العام الدراسي، استهجنت نقابة سائقي وسائط نقل الطلاب في لبنان ما وصفته بـ«استمرار السلطة في سياسة اللامبالاة» تجاه أزمة المحروقات وكلفة النقل. ورأت النقابة أن السلطة «لم تحرّك ساكنًا» أمام الارتفاع الكبير في كلفة تشغيل وسائط النقل، ولم تقدّم أي معالجة جدية لأسعار المحروقات، «وكأنها غير معنية» بالأعباء الإضافية الملقاة على العائلات.
وشدّدت النقابة على أن استمرار ارتفاع الكلفة «يضع السائق أمام أعباء تفوق قدرته على التحمل، فيما ينعكس أي ارتفاع في بدل النقل مباشرة على الطالب وعائلته، ما يجعل الجميع أمام أزمة واحدة تتحمل السلطة مسؤولية معالجتها».
وطالبت وزارة الطاقة والجهات الحكومية المعنية بتحمّل مسؤولياتها واتخاذ إجراءات فعلية وعاجلة لخفض كلفة المحروقات والنقل، «بدل الاكتفاء بالوعود ومراقبة الأسعار»، محذّرة من أن استمرار الوضع سيضع السائقين أمام خسائر لا يستطيعون تحمّلها، وسيقابله فرض زيادات جديدة على العائلات.
وعلى الأرض، فعلى خط يبلغ نحو 6 كلم من البيت إلى المدرسة، ارتفعت التسعيرة من 170 دولارًا للفصل الواحد العام الماضي إلى 200 دولار هذا العام، بارتفاع يقارب 18%.
أما بالنسبة إلى الطلاب القادمين من مناطق أبعد، فترتفع التعرفة إلى نحو 230 دولارًا للفصل الواحد، في حين كشفت معلومات أنَّه في مناطق أخرى ارتفعت التعرفة 40%.
في السياق، تبرر إدارات المدارس ذلك بأن كلفة النقل تأثرت مباشرة بالقفزات المتكررة في أسعار المحروقات، وبارتفاع كلفة الصيانة وقطع الغيار وأجور السائقين، وهو ما يدفعها إلى «إعادة تقييم بدلات النقل بصورة دورية»، مع تلويح صريح برفعها أكثر إذا استمرت أسعار المحروقات بالتصاعد.
هذا الواقع دفع عائلات إلى حلول بديلة، أولها تقاسم مهمة التوصيل بين الجيران لتقليص الكلفة، أو تولّي الأم توصيل أبنائها بنفسها رغم الجهد الإضافي، فيما اكتشفت عائلات أخرى، بعد حساب كلفة البنزين وصيانة السيارة والوقت المهدور، أن الاشتراك بالباص المدرسي أصبح، للمفارقة، الخيار الأقل كلفة.
وعليه، وسط الأزمات المتلاحقة التي تُرهق اللبنانيين، من الضرائب والرسوم الحكومية المستحدثة إلى الانهيار الاقتصادي المتمادي، تبرز اليوم أزمة المحروقات كواحدة من أعقد هذه الأزمات، إذ لم تعد تقتصر على محطات الوقود، بل باتت تُملي على العائلة اللبنانية كلفة تنقّل أولادها إلى المدرسة شهرًا بعد شهر.
المصدر: لبنان٢٤
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




