لم يكن أحد يتخيّل أن تنكشف بعض الحقائق بهذه السرعة، ومن داخل المؤسسة الإسرائيلية نفسها، عبر فيلم وثائقي يضع أمام العالم شهادات مباشرة عن آليات استهداف المدنيين خلال الحرب على قطاع غزة.
فيلم «نازا» أحدث ارتدادات سياسية وإعلامية واسعة داخل إسرائيل وخارجها، بعدما حاز الجائزة الخاصة للجنة التحكيم في مهرجان البندقية السينمائي الدولي، واستُقبل عرضه الأول بتصفيق استمر 25 دقيقة. ولم تتوقف أصداؤه عند حدود المهرجان، بل دفعت مؤسسات سياسية وعسكرية ودبلوماسية إسرائيلية إلى التعامل مع تداعياته المتصاعدة.
الفيلم، الذي أخرجه الصحفيان الإسرائيليان يوفال أبراهام وراشيل تسور، يستند إلى مقابلات مع ضباط استخبارات وجنود إسرائيليين شاركوا في الحرب، ويعرض شهادات حول اختيار الأهداف، وتقدير أعداد المدنيين الذين قد يسقطون قبل تنفيذ الضربات، وما يُسمّى داخل المؤسسة العسكرية بـ«الخسائر الجانبية المتوقعة».
وتورد إحدى الشهادات أن الموافقة مُنحت لتنفيذ ضربة ضد أحد عناصر حركة حماس، رغم توقّع سقوط نحو 500 مدني. وهي شهادة، إن صحت، تفتح بابًا واسعًا أمام التساؤلات حول طبيعة القرارات العسكرية وآليات التعامل مع حياة المدنيين.
ولم يكن رد الفعل الإسرائيلي على الفيلم أقل أهمية من مضمونه. فقد تحدثت صحيفة «يسرائيل هيوم» عن حالة غضب في أوساط إسرائيلية، فيما برزت دعوات للتحقيق مع العسكريين الذين شاركوا في الفيلم وكشف هوياتهم، واتخاذ إجراءات قانونية بحق القائمين عليه. كما أُثيرت دعوات لتنظيم احتجاجات أمام منزل عائلة أحد مخرجيه في منطقة النقب.
وفي تطور لافت، وقّع مئات من جنود الاحتياط في وحدة الاستخبارات العسكرية 8200 عريضة تطالب قيادة الوحدة بالتحقق مما إذا كان بين المشاركين في الفيلم عناصر ينتمون إليها، ومحاسبة من يثبت تورطه فيما وصفوه بالإساءة إلى الوحدة وقيمها.
وهنا تكمن أهمية الفيلم: فالشهادات لا تأتي من خصوم إسرائيل أو من مصادر خارجية، بل من أشخاص خدموا داخل مؤسساتها العسكرية والاستخباراتية. ومن هذه الزاوية، يتحول الفيلم إلى وثيقة تثير نقاشًا داخليًا حول الحرب، وحدود استخدام القوة، والمسؤولية عن سقوط المدنيين.
إن ما شهده قطاع غزة من قتل ودمار وتجويع، إلى جانب استهداف المستشفيات والمراكز الصحية وحرمان المدنيين من مقومات الحياة، يجعل أي شهادة من داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية موضع اهتمام واسع، لأنها تضيف بعدًا آخر إلى صورة الحرب التي تصل إلى العالم من خلال التقارير والصور والشهادات الإنسانية.
وليس كشف هذه الوقائع مجرد مسألة إعلامية؛ بل هو مواجهة للرواية التي حاول الاحتلال تقديمها للعالم عن حربه، وإظهار للتناقض بين ما يُقال خارجًا وما قد يجري داخل غرف القرار.
ومن هنا، يطرح فيلم «نازا» سؤالًا يتجاوز حدود السينما: إلى أي مدى يمكن للشهادات القادمة من داخل المؤسسة الإسرائيلية أن تكشف حقيقة ما جرى، وأن تدفع المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته تجاه ما يتعرض له المدنيون في فلسطين ولبنان وسوريا؟
ويبقى السؤال الأهم: هل تتحول هذه الشهادات والوثائق إلى ضغط سياسي وقانوني حقيقي يضع حدًا للحرب والانتهاكات، أم تبقى مجرد صدمة إعلامية عابرة؟
فالحقيقة، حين تخرج من داخل المؤسسة نفسها، يصعب طمسها، وقد تكون مقاومتها للكذب أقوى من أي رواية تُفرض بالقوة.
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




