لم تعد أزمة الرواتب في القطاع العام مسألة مقدار الزيادة وحدها، بقدر ما تحوّلت إلى أزمة رواية، إلى حدّ أنّ كل طرف يقدّم نسخته الخاصة عمّا جرى الاتفاق عليه فعليًا. فبينما تتحدث الحكومة عن تفاهم أنتج صيغة محددة للتصحيح تقوم على زيادة مجموعها ستة رواتب، يخرج اللقاء الوطني للعاملين في القطاع العام ليقول إنّ ما أعلِن ليس ما تمّ التوافق عليه أصلًا، وإن ما جرى إقراره لا يعدو كونه “فتاتًا حكوميًا” لا يعكس ما جرى الاتفاق عليه.
وفي التفاصيل، يقضي القرار الذي أقرّه مجلس الوزراء بزيادات تعادل في مجموعها ستة رواتب، تُدفع على دفعتين: ثلاثة رواتب مطلع عام 2027، وثلاثة أخرى في نهاية آب من العام نفسه، مع حجز الاعتمادات اللازمة لها وإحالة بقية بنود الموازنة إلى جلسة لاحقة. غير أن اللقاء الوطني للعاملين ردّ على الفور برفض الطرح، متمسكًا بمطلب تصحيح الرواتب إلى 30 ضعفًا كنقطة انطلاق لا كسقف، وربط بدل النقل فورًا بأسعار المحروقات.
بين الروايتين، لا يبدو الخلاف محصورًا في ستة رواتب أو ثلاثين ضعفًا، وإنما في السؤال عمّن يملك أصلًا أن يقول إن اتفاقًا حصل، فالرقمان لا يعكسان فقط فارقًا كبيرًا بين ما قررت الحكومة إدراجه في الموازنة وما يطالب به العاملون. هما أيضًا تعبيران عن مقاربتين مختلفتين: زيادة إضافية توزع على مرحلتين ضمن موازنة سنة واحدة، في مقابل مطالبة بتصحيح أوسع يعيد بناء قيمة الراتب نفسه بدل الاستمرار في نظام الدفعات والمساعدات.
فكيف تُدار هذه المفاوضات أصلًا، ومن يملك صفة التفاوض باسم فئات لا تتطابق مصالحها وأولوياتها، حين تخرج الحكومة معلنة تفاهمًا ثم تخرج جهة تنشط باسم العاملين معلنة أن ما أُقر لا يعكس ما طُرح في المفاوضات؟ اتفاقات لا تنهي التفاوض تكشف رحلة الرواتب خلال العام الحالي مشكلة تتكرر عند كل محاولة للحسم.
فهذه ليست المرة الأولى التي يصل فيها ملف الرواتب إلى صيغة تبدو قريبة من الحسم ثم يُعاد فتحها. وخلال الأشهر الماضية، طُرحت خطط تدريجية لإعادة تصحيح رواتب المدنيين والعسكريين والمتقاعدين، وناقش مجلس الخدمة المدنية تصورات تمتد على سنوات، فيما استمرت الروابط والتجمعات المختلفة في الاعتراض على الأرقام والآليات.
الجديد الآن أن الحكومة انتقلت من مرحلة الوعود إلى حجز اعتمادات فعلية في مشروع موازنة 2027، ما ينقل الصيغة خطوة من دائرة التفاوض إلى المسار التنفيذي. والمفارقة أنها لم تعرض الزيادة بوصفها اقتراحًا، وإنما وضعتها في خانة “الاتفاق مع ممثلي القطاع العام”. وهنا لا يمكن حصر الخلاف في اختلاف على تفسير بند مالي، إذ إن طرفًا رسميًا يعلن التوصل إلى اتفاق، فيما تقول جهة تنشط باسم العاملين إن ما تم الاتفاق عليه مختلف تمامًا.
يمكن تفسير جزء من المشكلة بأن أي مفاوضات على الرواتب في لبنان تصطدم بسقف مالي واضح، وهذا ما يجعل الحكومة تميل إلى الحلول التدريجية. لكن السقف المالي لا يفسر وحده لماذا تختلف رواية الاتفاق نفسه. فإذا كان المطلوب في النهاية الوصول إلى تسوية قابلة للاستمرار، فإن تحديد من شارك في التفاوض، وعلى أي أساس يمثّل الفئات المعنية، وما حدود هذا التمثيل، وما إذا كان التفاهم نهائيًا أو أوليًا، يصبح جزءًا من المعالجة لا تفصيلًا تنظيميًا.
وبالتالي فإنّ غياب هذه الحدود يجعل كل صيغة حكومية عرضة لأن تتحول سريعًا إلى نقطة انطلاق لمفاوضات جديدة. من يمثل مَن؟ برأي كثيرين، يبدأ جزء من تفسير هذا “التضارب” في المواقف من بنية القطاع العام نفسه، الذي لا يشكّل كتلة واحدة متجانسة.
فهو يضم موظفي الإدارة العامة، والمتقاعدين، وقطاع التعليم بروابطه المختلفة، والعسكريين وعناصر الأجهزة الأمنية، إضافة إلى العاملين في المؤسسات العامة، ولكل فئة من هذه الفئات أولوياتها الخاصة، من بدل النقل إلى تصحيح المعاشات التقاعدية، وصولًا إلى آليات استعادة القدرة الشرائية.
لهذا السبب، تصبح عبارة “ممثلي القطاع العام” التي وردت في مجلس الوزراء بحاجة إلى تعريف أدق. فالمشكلة ليست في شرعية جهة بعينها أو حقها في التفاوض، وإنما في معرفة حدود تمثيلها. فإذا كان اللقاء الوطني للعاملين، الذي يقدّم نفسه صوتًا جامعًا لفئات في القطاع العام، يرفض الصيغة علنًا ويقول إن الاتفاق الذي جرى التوصل إليه كان مختلفًا، فإن السؤال ينتقل تلقائيًا إلى هوية الجهات التي تفاوضت معها الحكومة وحدود تمثيلها.
يفسّر هذا الالتباس في آلية التمثيل تكرار المشهد نفسه في كل مرة، وهي إشكالية لا تحَلّ برفع الرقم من ستة رواتب إلى رقم أكبر وحده. فحتى أي زيادة جديدة يمكن أن تعيد إنتاج المشكلة نفسها إذا بقيت آلية التفاوض غامضة.ولذلك، تحتاج الحكومة إلى آلية تمثيل واضحة تحدد من يفاوض باسم كل فئة، وما حدود التفويض الذي يحمله، ومتى يصبح التفاهم الناتج قابلًا لأن يوصف بأنه اتفاق مع القطاع العام.
من دون ذلك، سيبقى أي “اتفاق” قابلًا لأن يُعلن ثم يُنسف خلال ساعات. في النتيجة، يبدو أن المشكلة التي تعرّيها موازنة 2027 ليست حجم الزيادة المقترحة وحده، سواء كانت ستة رواتب أو ثلاثين ضعفًا، وإنما أن الدولة لا تزال تفتقر إلى صيغة تمثيلية تجعل نتيجة التفاوض واضحة للفئات التي ستسري عليها.
فقبل حسم مقدار التصحيح، تبقى عقدة التمثيل نفسها: متى تستطيع الحكومة أن تقول إن القطاع العام وافق فعلًا؟ وإلى أن تكون الإجابة واضحة، سيبقى كل رقم يُعلن عرضة لأن يُقرأ بوصفه بداية نقاش لا خاتمته.
المصدر: لبنان 24
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




