المصير السياسي لكل من بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب على المحك. الأول لا يريد أن ينهي حياته السياسية؛ والثاني لا يريد أن يتحمل عبء الإخفاق والفشل والمأزق.
لا تبدو طريق العودة إلى مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران سالكة.
لا تبدو طريق العودة إلى مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران سالكة على الإطلاق، أقله حتى حينه، وإلى حين إجراء الإنتخابات الإسرائيلية والأميركية تباعًا في تشرين الأول/أكتوبر وتشرين الثاني/نوفمبر المقبلين من العام الجاري. هناك صعوبة بالركون مجددًا إلى هذه الوثيقة، والصيغة ذات الصلة لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط بين أميركا وإيران، إن لم تكن استحالة، ولا سيما بالنسبة إلى الجانب الأميركي، إلى حد استعصاء الحل وانسداد أفقه على المدى المنظور.
لا يزال الموقف الإيراني على حاله حتى تاريخه. وفيه الكثير من الصمود، كما الثبات على الثوابت، إن من قبل قيادة الثورة وحكومة الجمهورية، أو حتى من قبل الشعب، الجيش والحرس. وكل إيران صارت أكثر تمسكًا وتشبثًا بحقها ومصلحتها، وأكثر عنادًا بمقارعة ومنازلة الأميركي والإسرائيلي.
فالإيراني لا يمزح، لا يتساهل، لا يتنازل ولا يتراجع قيد أنملة، حين يتعلق الأمر بالشرف الوطني والكرامة الوطنية، لا المصلحة الوطنية فقط. من هنا، ليس هناك من حلول بالقوة لدى أميركا على حساب إيران، طالما أن طهران تواجه واشنطن، وهي تستمر بالمواجهة.
ولا يزال الموقف الأميركي أيضًا على حاله، مع الرئيس دونالد ترامب، وربما حتى انتهاء ولايته أو عهدته الرئاسية. فثمة فشل استراتيجي بالنسبة لأميركا في حربها بمنطقة الشرق الأوسط ضد إيران. وثمة مأزق استراتيجي بالتالي وبالتبعية.
لا يمكن واشنطن أن تعود للتفاهم ومذكرته؛ وهي لا تستطيع تحمل كلفته السياسية، لأنه بمثابة إقرار واعتراف بالخسارة، كما الإخفاق والفشل على الأقل وبالحد الأدنى. وهي لا تجد، أو لم تجد بعد، السبيل للخروج من هذا المأزق من بعد هذا الفشل. فكيف لها أن تتصرف في هذه اللحظة وفي هذا التوقيت وضمن هذا السياق؟ إن هذا السؤال يفرض نفسه الآن.
أما الموقف الإسرائيلي، فهو على حاله، لا سيما موقف رئيس الوزراء الإسرائيلي، ومعه أيضًا اليمين المتطرف، القومي والديني، في الكيان الإسرائيلي والحكومة الإسرائيلية. هو يريد الإستمرار بالتصعيد، ويراهن عليه، إما بقصد الفوز بالإنتخابات، أو بنية تعطيل وتطيير هذه الإنتخابات. كما أنه يدفع باتجاه منع التفاهم أو التقارب أو التقاطع بين الأميركيين والإيرانيين. فيبقى الدور الإسرائيلي بتخريب الجهود السياسية والمبادرات الدبلوماسية، كما بممارسة الضغوط وارتكاب الجرائم حتى إشعار آخر.
ربما لا يبدو احتمال التفاهم، أو بالأحرى لنقل إحتمال العودة إلى التفاهم بين الجانبين الأميركي والإيراني من جديد، واردًا من الناحية المنطقية، ولا حتى مطروحًا من الناحية العملية. فكل المعطيات والمؤشرات والحيثيات لا تفيد أن الوقت هو للتفاهم، ولا التقارب، ولا حتى التقاطع الموضوعي، بمعنى التقاطع لأسباب موضوعية، بين الأميركي والإيراني. ما يعني أن استبعاد هذا الإحتمال ممكن، ولا نقول إسقاطه بالكامل من الحسابات والتقديرات.
أما احتمال عدم التفاهم مع عدم التصعيد بين واشنطن وطهران، فهو قائم ووارد. هو غير مستبعد. وقد أشرنا سابقًا إلى أن الإعلان عن التوصل إلى مذكرة التفاهم بين أميركا وإيران، لدى توقيعها من قبل الرئيسين الأميركي والإيراني، لا يعني، بالضرورة وبالتبعية، الإنتقال، بطريقة أوتوماتيكية، إلى حيز الحل الشامل والصيغة النهائية له. فثمة مسائل عالقة بين الطرفين، وربما لا تكون حلولها بمتناول اليد، لأسباب ذاتية وموضوعية على حد سواء.
وكذلك، فإن إحتمال عدم التفاهم مع التصعيد، والمقصود إحتمال العودة إلى التصعيد على نطاق واسع وبشكل كبير، هو مرجح أو متقدم. وهناك تسريبات وتلميحات وتحذيرات تفيد بأن هذا النمط من التصعيد الواسع والكبير هو عائد، أو ربما هو واقع في الفترة القادمة، أي قبيل موعدي الإنتخابات الإسرائيلية والأميركية. هنا يتجدد النقاش حول جدوى ومدى فاعلية الرهان مجددًا على مثل هذا الخيار، الذي يعود إلى الواجهة مع استعصاء الخروج من المأزق وانسداد أفق الحل، ودون تبني فرضية حتمية التصعيد العسكري والأمني لا محالة.
كما أن إحتمال الذهاب أيضًا إلى جولة جديدة ومتجددة من العنف هو ليس بعيدًا، بل هو واقعي ومنطقي، من حيث مبررات ومسوغات التفكير بجدية هذا الإحتمال، دون أن يعني ذلك الذهاب إلى الإحتمالية الواردة أعلاه، في إشارة إلى التصعيد الواسع والكبير؛ والمقصود هنا هو شيء من قبيل ما كان يحصل، ولا يزال حتى حينه، أي تبادل تسديد الضربات العسكرية والأمنية، بطريقة هي مدروسة ومحسوبة، وكذلك أيضًا ممارسة الضغوط السياسية والإقتصادية، من دون أن يؤدي ذلك إلى الإنفجار الكبير في الإقليم، مع العلم أن هذا الخيار أو الرهان عليه لا يخلو من المخاطرة والمغامرة.
على أية حال، سوف يدرك جميع المعنيين من الفاعلين الدوليين والإقليميين، لا سيما تلك القوى المنخرطة أو الضالعة بطريقة أو بأخرى في هذا الإشتباك المركب والمعقد عبثية استمرار حالة الحرب في الشرق الأوسط بين أميركا وإيران، وليس فقط بين إيران وإسرائيل. لن تؤدي هذه الحرب – في حال استمرارها – سوى إلى المزيد من الدمار والخراب. وهي لم تؤدي سوى إلى ذلك طيلة الفترة السابقة، بالرغم من كل هذه القوة المفرطة، ولم تؤدي بعد إلى إنجاز المقاصد وإحراز الأهداف. هكذا تكون عبثية هذه الحرب، وتزداد عبثيتها مع الوقت، بصرف النظر عن المكابرة والمعاندة، بدلًا من الواقعية السياسية.
لا تبدو الأمور بعد أنها ذاهبة باتجاه الحل أو الحلحلة. هي لا تزال عالقة. وقد تكون هذه المرحلة قبل الانتخابات الإسرائيلية والأميركية هي الأكثر دقة وحراجة. فالمصير السياسي لكل من بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب على المحك. الأول لا يريد أن ينهي حياته السياسية؛ والثاني لا يريد أن يتحمل عبء الإخفاق والفشل والمأزق. فهل تشتعل الجبهات لتعيد خلط الأوراق، في لعبة الحسابات المفتوحة، وفي زمن التحولات الكبرى؟
الميادين
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




