مقال مستشار رئيس الجمهورية جوزاف عون الإعلامي جان عزيز، في منصة «Just Security» الأميركية المنشور قبل يومين تحت عنوان «لا تدعوا اتفاق السلام في لبنان يثبت صحة رواية حزب الله»، قد يصلح مدخلاً مهمّاً لنقاش أبعد من الإشكاليات التي يطرحها، وإلى أسئلة أعمق، من مثل ماذا تريد إسرائيل من لبنان، وهل يمكن للإدارة الأميركية الحالية ضبط المشروع الإسرائيلي، أو إن كانت تعارضه في الأصل، وما هي خريطة الطريق اللبنانية لمواجهة نتائج السؤالين السابقين؟
مقال عزيز، موجّه أصلاً إلى النخبة السياسية والإعلامية الأميركية في محاولة لإنقاذ اتفاق الإطار، بدليل عنوانه «المستفزّ» وبنائه المستند على تذكير واشنطن بالتزاماتها وتحذيرها من عواقب سياستها، لكنه شرّح المتاهة الحالية الواقعة فيها الدولة اللبنانية بدقّة، وفتح باباً لحوار مفقود في البلاد بين رهانين، كلاهما على دور للولايات المتحدة الأميركية، واحد مع إسرائيل والآخر مع إيران.
الإجابة عن سؤال ماذا تريد إسرائيل من لبنان يتعدّى ذلك، إلى دور إسرائيل في المنطقة. فمن غير المنطقي أن تكون إسرائيل تنشد التوسّع، بكل قواها السياسيّة والعسكرية في فلسطين وسوريا، وأن تريد الحفاظ على لبنان كاملاً، وهي التي تحتل جزءاً من أراضيه وتثبّت مواقعها لآماد طويلة وتجرّف القرى والمعالم الطبيعية وتغير معالمها بالكامل. ولذلك، فمن المفيد التذكير بالتالي:
أوّلاً، إسرائيل اليوم دولة يهودية معلنة من دون مواربة بقرار من الكنيست، ولم يعد أحد يحاجج في خلل إعلان دولة لفئة دينية بعينها علاوةً عن غيرها، مع سباق التطرّف الحالي في العالم. وقادة هذه الدولة اليهودية، يجاهرون بخططهم التوسعيّة ويشهرون خريطة «إسرائيل الكبرى». وليس بين الائتلاف الحاكم أو أحزاب المعارضة من يرفض هذا الإشهار، بل على العكس من ذلك، تتنافس هذه الأحزاب على من هو الأجدر لتحقيق مشاريع التوسّع.
ثانياً، تضاعف عدد سكّان الكيان عمّا كان عليه في حرب 1967، حين احتلت إسرائيل الجولان وسيناء والضفة الغربية والقدس، فارتفعت القدرات الاقتصادية وكذلك الحاجات للموارد والغذاء والماء. أما الترسانة العسكرية، فتطورت بشكل هائل كمّاً ونوعاً، وصارت جزءاً من منظومة عسكرية وأمنية غربية ودولية، وكسبت حلفاء جدد مثل الهند واليونان ورومانيا وغيرها، فازدهرت مكانتها تدريجياً ما بعد الحرب الروسية ـ الأوكرانية، مقابل انهيار الجيشين العراقي والسوري وغرق البلدين في الصراعات الداخلية، وتضررت المنظومة العسكرية الإيرانية بشكل كبير، وهي كلها تطورات تشكل محفزاً مهماً لإسرائيل لاستغلال الفرص المتاحة حالياً.
وعلى أرض الواقع، تقدم إسرائيل الأمن قبل وبعد 7 أكتوبر لتبرير خططها، لكنها تبقى حجة ضعيفة إذا ما وضعت نماذج فلسطين ومصر والأردن على الطاولة. ففي غزة، قبلت حركة حماس بتسليم السلاح، لكن ما يحصل هو استمرار القتل واستمرار السيطرة على ما يزيد عن 70% من أرض القطاع بالاحتلال المباشر، وجرف ما تبقى من معالم المدن والأحياء، من دون أي أفق لإنهاء الاحتلال قريباً أو أي مخرج سياسي واضح مع موت «خطة السلام» التي وضعها ترامب نفسه بعد قصف إسرائيل للعاصمة القطرية الدوحة. وفي الضفة الغربية، وبعد نجاح إسرائيل في تفكيك جزء كبير من خلايا فصائل المقاومة الفلسطينية، ورغم تنفيذ السلطة الفلسطينية كل ما تطلبه إسرائيل، فإن الاستيطان يتوسّع بوتيرة مرتفعة، وعمليات التهجير القسري تتوسّع بدورها، حتى بلغت ما يزيد على 120 قرية خلال العام الحالي وحده.
عمليات التهجير المستمرة في الضفة الغربية، والإجراءات العسكرية التي تتّخذها إسرائيل على الحدود الأردنية، دفعت الأردن إلى إعادة الخدمة العسكرية الإلزامية، وإلى بحث خطط الرد على حملات التهجير المقبلة للفلسطينيين من الضفة، وإلى المخاوف من حشد إسرائيل وحدات عسكرية على الحدود في غرب المملكة، رغم كل التعاون الأردني ـ الإسرائيلي في صد الهجمات الإيرانية، ما يجعل اتفاقية وادي عربة في مهبّ الريح.
أما في سيناء، فإن تحرّكات الجيش المصري باتت مصدر قلق لقادة الاحتلال، ولا يمرّ أسبوع من دون صدور تحذيرات من القدرات المصرية أو تهديدات إسرائيلية لمصر. وتهديد إسرائيل للأمن المصري لا يأتي من الشمال وحده، إنّما من الجنوب حيث تدعم إسرائيل انفصال صومالي لاند بما يعنيه فتح ممر بحري مهم لأثيوبيا شرقاً نحو المحيط الهندي، ويظهر من سلوك مصر الإقليمي الحذر الشديد من التهديدات الجديدة، التي تشكّل إسرائيل أبرزها، ما يهدّد أصل اتفاقية كامب ديفيد بين تل أبيب والقاهرة.
من الأفضل ألّا يبني اللبنانيون قصوراً في الرمال، حيث لكل طرف خياره، ولا بدّ أن يكون لدى عون وحزب الله معاً، خطة بديلة لحماية لبنان من الخطر الوجودي الداهم
ويبدو الجنوب السوري من أبرز الساحات لاختبار التفكير الإسرائيلي الجديد. فرغم كل التنازلات التي قدّمها بدايةً الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، وعرضه التطبيع الشعبي والتنسيق الأمني والعداء المشترك لحزب الله وإيران وسحب السلاح من الجنوب السوري، وتسليم ما تبقّى من مخزونات الأسلحة الكيميائية وتفكيكها ووضع مخزون المواد النووية المتبقية في عهدة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إلّا أن القضم التدريجي للجنوب السوري مستمر بشكل يومي من حوض اليرموك ووادي الرقاد إلى شمال جبل الشيخ، حيث باتت مدرجات الجبل منطلقاً لعمليات عسكرية، بعضها موجه نحو لبنان، وبعضها الآخر نحو ريف دمشق.
وإسرائيل رغم أن تركيا هي عضو في حلف الناتو، ومن أوائل الدول التي اعترفت بإسرائيل، إلا أن التهديدات لتركيا ترجمت في استهدافات مباشرة لقوات تركية في مواضع عدة في سورية، من بينها مطار حماه العسكري، قبل أن تقصف إسرائيل مطار أبو الظهور في رسالة مباشرة للجيش التركي. وكل يوم تتعرض فيه ما تبقى من مخازن للأسلحة في سورية، لهجمات إسرائيلية، آخرها يوم أمس في دير الزور. ومؤخراً، كشفت وسائل الإعلام العبرية، عن نقاشات داخل الجيش الإسرائيلي تتضمن احتمال السيطرة على العاصمة السورية دمشق بعملية عسكرية واسعة. علماً بأن الشرع دخل في دائرة الحلفاء المباشرين للإدارة الأميركية الحالية، ويحظى بدعم مباشر من ترامب للدولة السورية الجديدة، على عكس لبنان الذي ينظر إليه ترامب على أنه دولة خاضعة للتأثير الإيراني. فهل يمكن أن تكون إسرائيل هذه، هي ذاتها التي تريد أن تعيد الأرض المحتلة للبنان؟
ولفهم موقف الإدارة الأميركية الحالية تجاه لبنان، يمكن البدء من قراءة تصريحات السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى. الذي يقوم حالياً بدور يتجاوز هامشه الفعلي، كعملية الإفراج الأخيرة عن بعض الأسرى اللبنانيين في سجون الاحتلال، لكن منطقه الذي يبرر فيه الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان يشبه تبريرات السفير الأميركي في إسرائيل. بينما تظهر تصريحات السفير الأميركي في تركيا توم برّاك على سبيل المثال، دعماً أكبر للمواقف التركية حيث يقيم، رغم أن عيسى لبناني وبرّاك ليس تركياً. لكن هذه التفاصيل «البسيطة»، لا تقارن بحقيقة موقف الإدارة الأميركية تجاه ما تفعله إسرائيل.
إذ إن ترامب نفسه يرى أن إسرائيل صغيرة الحجم كما أعلن في يومه الأول في البيت الأبيض، وهو الذي تلقّى الدعم الأكبر من لوبي الاستيطان بلغ حوالي 100 مليون دولار خلال حملته الانتخابية، ومن غير المستبعد أن يعلن «السيادة الإسرائيلية» على الضفة الغربية قبل نهاية ولايته الحالية، بعد أن أعلن «السيادة الإسرائيلية» على الجولان المحتل ونقل السفارة الأميركية إلى القدس في ولايته السابقة. وترامب هذا، لا يحترم حدود الدول، ولا إرادة الشعوب ولا الحكومات الحليفة له، ولا العمل الدولي المشترك ويعبّر عن ذلك علناً. فهو يحاول قضم سيادة الاتحاد الأوروبي على غرينلاند، ودعم تفكيك المملكة المتحدة، ويهدد كندا باحتلالها وضمّها للولايات المتحدة، ما دفع كندا إلى السعي للانضواء تحت جناح الاتحاد الأوروبي خشية تنفيذ ترامب تهديداته، بعد الهجوم على إيران وفنزويلا.
فما همّ ترامب إن قضمت إسرائيل جزءاً من لبنان أو من سورية وأكملت احتلالها لفلسطين، وهو الذي لا يخجل بالمطالبة بضمّ كندا، ثاني أكبر دولة في العالم؟ وهل إسرائيل، التي تراقب ترامب يتخبّط بين رغبته في الانسحاب من الشرق الأوسط وحاجات وجوده العسكري المباشر لضمان النفوذ، وتراجع قدرة إدارته على حسم الملفات الداخلية تحت وطأة ارتفاع أسعار النفط والهجوم المركز من الديموقراطيين عليه على أبواب الانتخابات النصفية، مستعدة لتنفيذ ما وعد ترامب به لبنان والرئيس عون؟
في ظلّ هذه المناخات والتوازنات الحالية، فإن أقلّ ما تريده إسرائيل حالياً من لبنان، هو الحصول على ما أمكن من أرض الجنوب ومصادر المياه وسلب لبنان وحدته، وفتح مسار سياسي مع الحكومة اللبنانية لتبييض جرائمها في فلسطين وسورية ولبنان، فتقول إنها تعقد الحوارات مع من تبقى من «الشعب الفرفوش» على قيد الحياة، وأن مشكلتها فقط بأولئك الذين يحملون السلاح.
إذا كان التفاوض والرهان على الدعم المعنوي الأميركي هو السبيل العلني الوحيد باقتناع عون، والتعويل على اتفاق إيراني ـ أميركي هو السبيل الوحيد المتاح حالياً للخروج من المأزق باقتناع حزب الله، فلا مشكل في ذلك، إن كانت تلك أساليب سياسية لشراء الوقت. لكن من الأفضل ألّا يبني اللبنانيون قصوراً في الرمال، ولا يكون هذان الخياران، هما الخيارين الوحيدين، ولا بدّ أن يكون لدى عون وحزب الله معاً، خطة بديلة لحماية لبنان من الخطر الوجودي الحالي والآتي جراء الفوضى التي يخلقها المشروع التوسعي الإسرائيلي والمشاريع الإقليمية الأخرى، وعدم اكتراث الولايات المتحدة للتفاصيل في عزّ الحرب الباردة الجديدة.
فراس الشوفي-الاخبار
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




