كتبت صحيفة “البناء” تقول:
دخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب مرحلة حاسمة في التعامل مع الحرب على إيران، عندما قال لموقع “أكسيوس” إن أمامه «قراراً كبيراً»: هل يذهب إلى سحق النظام الإيراني أم لا؟ لكنه ربط اتخاذ القرار بالتشاور مع قادة دول مجلس التعاون الخليجي الذين يلتقيهم على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. وهذا الربط يفتح الباب أمام فرضيتين متعاكستين، تتقاطعان عند صفقة القنابل الضخمة التي قررت الإدارة الأميركية عرضها على الكونغرس تمهيداً لبيعها لـ”إسرائيل”.
الفرضية الأولى تقول إن ترامب يستعدّ لجولة عسكرية جديدة، ويريد تأمين شروطها السياسية والعملياتية. فدول الخليج تستضيف القواعد الأميركية، وتمثل أراضيها ومجالها الجوي وبنيتها التحتية النفطية الحلقة الأكثر تعرضاً للرد الإيراني. ولذلك يحتاج ترامب إلى معرفة حدود استعدادها للمشاركة أو تقديم التسهيلات، وإلى وضع ترتيبات لحمايتها. وتأتي صفقة القنابل لـ”إسرائيل”، التي تبلغ قيمتها 2.8 مليار دولار وتشمل أربعين ألف قنبلة وذخيرة زنة الواحدة منها ألفا رطل، لتؤدي وظيفة مزدوجة: ضمان تعويض ما سوف تستهلكه “إسرائيل”، وتشجيعها على استخدام ما لديها من مخزون وهي واثقة بأن البديل الأميركي سيصل. فإعلان الصفقة، حتى لو كانت مواعيد التسليم بعيدة، يتحوّل إلى اعتماد تسليحي مسبق يمنح القيادة الإسرائيلية ثقة خوض جولة جديدة.
لكن ماذا ينتظر ترامب أن يسمع من قادة الخليج عندما يعرض عليهم خطط ضرب إيران؟ عندما يتحدث عن قصف المطارات الإيرانية سوف يتذكرون مطاراتهم المعرّضة للرد، وعندما يتحدث عن استهداف منصات النفط والغاز سوف ينظرون إلى منشآتهم الممتدة على ضفتي الخليج، وعندما يتحدث عن تدمير الجسور والمرافئ سوف يتذكرون كيف انتهت المواجهة في اليمن إلى بحث واشنطن عن وقف النار لحماية قواتها، بينما تُرك الحلفاء أمام التداعيات. وقد سبق للسعودية وقطر أن اعترضتا في مطلع آب على استئناف العمليات الواسعة، خشية انتقال الرد الإيراني إلى منشآت النفط والغاز الخليجية. ولذلك لا يبدو مضمون التشاور طلب مباركة سياسية فحسب، بل البحث عن جواب عن سؤال لا تملك واشنطن جواباً مقنعاً عنه: كيف يمكن حماية الخليج من الرد؟ ويعرف ترامب أن خطة الممر العماني والانقلاب في اليمن صُممت لتفادي الحرب التي يستفتيهم حولها، وبعد الفشل لا بدّ من العودة للتسوية، كما حدث مع قبول مذكرة التفاهم في حزيران الماضي.
أما الفرضية الثانية فتقول إن صفقة القنابل ليست مقدمة للحرب، بل ضمانة إسرائيلية تسبق التسوية. فقد تكون واشنطن بصدد العودة إلى مذكرة التفاهم مع إيران أو إنتاج صيغة معدلة منها، لكنها تعرف أن “إسرائيل” لن تقبل وقف الحرب والعودة إلى مسار تفاوضي من دون مقابل يضمن بقاء تفوقها العسكري وقدرتها على استئناف الحرب. هنا تصبح القنابل تعويضاً مسبقاً عن قبول التسوية، ورسالة إلى حكومة الاحتلال بأن التفاهم مع إيران لن يسلبها خيار القوة مستقبلاً. ويصبح اجتماع ترامب مع قادة الخليج مناسبة لتأمين غطاء إقليمي للتسوية، وتحديد الضمانات المطلوبة لإعادة فتح هرمز ووقف استهداف المنشآت النفطية وخفض سعر البرميل قبل الانتخابات الأميركية.
ولا يوجد ما يمنع أن تخدم الصفقة الفرضيتين في وقت واحد. فالتهديد بالحرب يمكن أن يكون وسيلة لتحسين شروط التسوية، وضمان تعويض المخزون الإسرائيلي يجعل خيار الضربة قابلاً للتنفيذ إذا فشل التفاوض. لذلك لا يكفي إعلان الصفقة لترجيح الحرب، كما لا يكفي الحديث عن الاتصالات السياسية لترجيح التسوية. المؤشر الحاسم هو ما ستسفر عنه اجتماعات نيويورك: هل تبدأ ترتيبات عملياتية لحماية القواعد والمنشآت الخليجية، أم تظهر صيغة تفاوضية تتناول هرمز واليمن ووقف الحرب؟ وسوف يبقى سعر النفط وحركة الناقلات المقياس الأسرع للحكم على الاتجاه الحقيقي.
ولكل من الفرضيّتين سوابق أميركية واضحة. ففي التحضير للحرب، أفرج ترامب في كانون الثاني 2025 عن شحنة القنابل زنة ألفي رطل التي جمدتها إدارة بايدن، ثم استخدم وزير الخارجية ماركو روبيو في آذار صلاحيات الطوارئ لتسريع مساعدات عسكرية لــ”إسرائيل” بنحو أربعة مليار دولار، قبل حرب حزيران على إيران. وفي 30 كانون الثاني 2026، عشية حرب شباط، وافقت واشنطن على صفقة بقيمة 6.67 مليارات دولار، شملت ثلاثين مروحية أباتشي وآلاف المركبات والمعدات، بما وفّر ضمانة بتعويض ما سوف تستهلكه الحرب، ولو لم تكن الأسلحة قد وصلت بعد. ولرشوة “إسرائيل” كي تقبل التسويات سوابق أوضح: بعد اتفاق فصل القوات الثاني مع مصر عام 1975، تعهدت واشنطن بتلبية احتياجات “إسرائيل” العسكرية والنفطية وتعويضها عن خسارة حقول سيناء؛ وبعد كامب ديفيد موّلت نقل قواعدها الجوية من سيناء إلى النقب؛ وفي اتفاق واي ريفر عام 1998، خُصص لـ”إسرائيل” 1.2 مليار دولار مساعدات عسكرية إضافية مقابل إعادة الانتشار في الضفة؛ وبعد الاتفاق النووي الإيراني عام 2015، جاءت مذكرة المساعدات الأميركية لعام 2016 بقيمة 38 مليار دولار لطمأنة “إسرائيل” وتعويض اعتراضها. ولذلك يمكن للصفقة الحالية أن تكون ذخيرة لحرب مقبلة، أو ثمن قبول بتسوية، أو الاثنين معاً: ضمانة استهلاك المخزون اليوم، وضمانة لبقاء التفوق الإسرائيلي إذا بدأ التفاوض غداً.
في اليمن، انتقلت قوات «أنصار الله» من تحقيق الاختراق الكبير في المخا والساحل الغربي إلى تثبيت الإنجازات الجديدة. ولم تظهر خلال الأيام التالية قدرة جدية لدى القوات المناهضة لهم على شنّ هجوم معاكس يعيد رسم خطوط التماس. ووفق صحيفة “الغارديان”، فتحت هذه القوات تحقيقاً في انهيار أكثر من خمس عشرة فرقة ولواء ونحو ثلاثين ألف مقاتل، بعدما أدّى التراجع إلى خسارة المخا وأجزاء واسعة من الساحل. وبينما تتبادل القيادات الاتهامات بالخيانة والرشوة وسوء القيادة، تبدو النتيجة الميدانية ثابتة: «أنصار الله» نقلوا حضورهم من التهديد الصاروخي للملاحة إلى السيطرة المباشرة على الأرض المطلة على باب المندب.
وتظهر أهمية التحول في ردود الفعل الخارجية. فقد طلبت السعودية من الصين التدخل لدى إيران للضغط على «أنصار الله» ووقف استهداف منشآت الطاقة السعودية، فيما دعت إيطاليا إلى إرسال مزيد من السفن لحماية الملاحة في البحر الأحمر، وبدأت البحث في مهمة بحرية مستقلة بسبب بطء القرار الأوروبي. وهذه التحركات تقول إن ما جرى لم يعد مجرد تعديل في جبهة يمنية داخلية، بل تحول يمس أمن طريق السويس وباب المندب وإمدادات النفط. وبذلك صار تثبيت إنجاز المخا وذوباب والجزر المقابلة للمضيق ورقة حاضرة في أي تفاوض إيراني – خليجي أو أميركي – إيراني.
وفي الولايات المتحدة، تحوّلت أزمة الديزل إلى عامل اقتصادي وانتخابي ضاغط. فقد بلغ متوسط السعر الأميركي 6.29 دولارات للغالون، بزيادة 68 في المئة عن العام الماضي، فيما اقترب سعر البنزين من 4.40 دولارات. وسجّلت كاليفورنيا حالات نفاد موضعيّ في محطات بسان خوسيه وسانتا كلارا وسان دييغو، ووصل السعر المعروض في بعض المحطات إلى الحد التقني الأقصى البالغ 9.999 دولارات. أما في تكساس فتتحدّث تقارير محلية عن نقص في بعض المناطق، لكن لا يوجد حتى الآن إثبات موثوق لفقدان الديزل على مستوى الولاية. وقد اضطرت الإدارة إلى تعليق القيود على ساعات عمل سائقي صهاريج الوقود لمدة تسعين يوماً، في محاولة لتخفيف اختناقات التوزيع.
ولا تقف خطورة الديزل عند محطات الوقود. فهو وقود الزراعة والشاحنات والقطارات والآلات والمولدات وسلاسل التبريد، ولذلك يبدأ ارتفاعه من المزرعة وينتهي في سعر الغذاء والسلع. وقد تضاعفت تقريباً نفقات الوقود لدى عدد من المزارعين خلال موسم الحصاد، فيما تحذر شركات النقل الصغيرة من العجز عن الاستمرار. وهذا يعني أن أثر الأزمة قد يبقى ويتوسّع حتى لو تراجع سعر النفط بضعة دولارات؛ لأن الزيادة انتقلت بالفعل إلى كلفة الإنتاج والنقل.
وتظهر الاستطلاعات أن الناخب الأميركي بدأ يحمّل الإدارة والحزب الجمهوري كلفة الحرب والأسعار. فقد منح استطلاع “رويترز/إبسوس” الديمقراطيين 44 في المئة من نيات التصويت للكونغرس مقابل 37 في المئة للجمهوريين، وهي أوسع أفضليّة ديمقراطية منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض. ولم تتجاوز نسبة الرضا عن أداء ترامب 35 في المئة، فيما قال 59 في المئة من الأميركيين إنهم لا يثقون بأن المفاوضات حول الحرب سوف تعيد أسعار البنزين إلى طبيعتها. وبين الناخبين اللاتينيين في سبع ولايات متأرجحة، تقدم الديمقراطيون بـ 56 في المئة مقابل 29 في المئة، مع حضور التضخم وأسعار الوقود في صدارة الاهتمامات. وهكذا يتحول الديزل من سلعة إلى بطاقة اقتراع، وتدخل كلفة الحرب في حساب السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ.
وفي إسرائيل، يتقدم حزب “يشار” بقيادة غادي آيزنكوت في استطلاع القناة الثانية عشرة بـ 25 مقعداً مقابل 21 لليكود. ويتألف معسكر آيزنكوت الصهيوني من: “يشار” بـ 25 مقعداً، وتحالف “بينيت” بـ 13، و”الديمقراطيين” بعشرة، و”إسرائيل بيتنا” بتسعة، أي 57 مقعداً. أما الأحزاب العربية فتحصل على 11 مقعداً خارج المعسكرين. والنقطة الأهم هي قائمة “هندل وزليخة” الجديدة التي بقيت في استطلاع القناة الثانية عشرة تحت نسبة الحسم، لكنها حصلت في استطلاع هيئة البث «كان» على أربعة مقاعد وصُنفت كتلة مستقلة. فإذا عبرت هذه القائمة العتبة وانضمت إلى معسكر آيزنكوت، يصبح مجموعها مع الـ 57 واحداً وستين مقعداً، أي أكثرية قادرة نظرياً على تشكيل الحكومة من دون أصوات الأحزاب العربية. وفي المقابل، تُحسب قائمة الجنرال عوفر فينتر مع معسكر نتنياهو، لا مع آيزنكوت. ولذلك تدور المعركة الفعلية حول الأصوات القريبة من نسبة الحسم، لا حول ترتيب الليكود و”يشار” وحدهما.
وفي جنوب لبنان، قدّم ما جرى عند دير ميماس صورة عملية عن نتائج المسار الذي اختارته السلطة. فقد أقام الجيش اللبناني نقطة مستحدثة لمواكبة أهالي البلدة، فتقدّمت قوة إسرائيلية نحوها ووجهت إنذاراً بإخلائها. وبعد إلقاء القنابل الصوتية، انسحب عناصر الجيش من النقطة، وسيطرت عليها القوة الإسرائيلية، قبل أن تعود إلى موقعها في تل النحاس ويعود الجيش إلى مركزه الأساسي داخل البلدة. وقال بيان الجيش إن عناصره عادوا إلى مركزهم بعد مغادرة القوة الإسرائيلية، لكن بقي السؤال الجوهريّ: من أصدر قرار الانسحاب من النقطة اللبنانية أمام الإنذار؟
الانسحاب لم يكن نتيجة عجز الجنود عن الصمود، بل نتيجة قرار سياسي منع المواجهة وفرض على الجيش التراجع. ودير ميماس تقول إن مجرد انتشار الجيش لا يمنع الاحتلال من فرض أوامره عندما تكون السلطة السياسية قد قيّدته باتفاق يعطي “إسرائيل” حق الإنذار والتقدم، ولا يمنحه حق الردّ. فالجيش الذي يُطلب منه أن يتسلم الأرض من المقاومة لا يُسمح له بحماية نقطة أقامها على أرض لبنانية عندما يأمر الاحتلال بإزالتها.
الجواب هو أن حماية الجيش لا تتحقق بوضعه في مواجهة الاحتلال منزوع القرار ومقيداً بأوامر سياسية، ولا بتحويله إلى شاهد على التراجع. ما يحمي الجيش هو قرار سيادي واضح يعتبر أي تقدم إسرائيلي عدواناً، وأي إنذار مرفوضاً، ويقيم التكامل الوطني الذي يمنع الاحتلال من فرض إرادته. أما المسار الحالي فيقدّم للاحتلال ما يريده مجاناً: إبعاد المقاومة أولاً، ثم إنذار الجيش وإجباره على الانسحاب عندما يقرّر تثبيت نقطة على أرضه.
وعلى وقع فشل المؤتمر التحضيري الذي عُقد في باريس لدعم الجيش اللبناني والقوى الأمنية، صعّد الاحتلال الإسرائيلي عدوانه على الجيش اللبناني، ما يؤكد بما لا يدعو للشك – وفق ما تشير مصادر سياسية لـ «البناء»- التماهي الأميركي – الإسرائيلي بمعاقبة الجيش على مواقفه الوطنية والرافضة تحويله إلى حرس للحدود وأداة تنفيذية للعدو لضرب المقاومة وأهالي الجنوب، وذلك عبر حصار الجيش مالياً ومنع أي دولة من تأمين الحد الأدنى من المساعدات والدعم اللوجستي والمالي لتعطيل دوره في حماية الحدود والدفاع عن الجنوب وأهله، إلى جانب أن وجود الجيش في الجنوب يُحرج الجيش الإسرائيلي ولا يبقي له أي مبرر لاحتلاله. كما فشل مؤتمر باريس – وفق المصادر – في تأمين بديل عن القوات الدولية المؤقتة في الجنوب بعد القرار الأميركي – الإسرائيلي بإلزام لبنان إنهاء مهام اليونيفيل أواخر العام الحالي. ويعكس فشل المؤتمر – وفق المصادر – عجز المسار الدبلوماسي واتفاق الإطار وخيار التفاوض في دعم الجيش والمؤسسات الأمنية لتعزيز دور الدولة وأجهزتها كي تتمكن من حصر السلاح وبسط سيطرتها على كامل أراضيها، كما تدّعي واشنطن. لكن يبدو أن القرار في واشنطن وتل أبيب يحاصر الجيش لدفعه للانخراط في المعركة ضد حزب الله والمقاومة. وتكون الولايات المتحدة و»إسرائيل» قد حققتا ثلاثة أهداف بضربة واحدة بتغطية من السلطة اللبنانية:
قطع الطريق على أي دور فرنسي أمني ودبلوماسي وسياسي واقتصادي في لبنان من بوابة التجديد للقوات الدولية، ومنع أي دعم ومساعدات للجيش اللبناني وربطها بشروط سياسية وأمنية، وتكريس الفراغ الأمنيّ في الجنوب عبر رفض مقترح إنشاء قوة أو بعثة أوروبية مؤقتة لملء الفراغ الأمني الذي تخلفه اليونيفيل نهاية العام.
ووفق معلومات «البناء»، فإن الأجواء الإيجابية التي نقلها رئيس الجمهورية جوزاف عون من مؤتمر باريس تبخرت وتبددت بعد إنهاء المؤتمر من دون بيان يؤكد الدعم وحجمه ونوعه. على أن النقاش تمحور في المؤتمر حول مرحلة ما بعد اليونيفيل؛ ومن يملأ الفراغ الأمني بعدها كمرحلة انتقالية بالحدّ الأدنى قبل تمكين الجيش اللبناني من بسط سيطرته؟ وكيف سيؤثر الانسحاب الإسرائيلي أو استمرار الاحتلال والتوسّع على الوضع الأمني في الجنوب؟
وكشف مصدر نيابيّ مواكب لحركة الاتصالات واللقاءات في الخارج أن «كل المساعي لإيجاد البديل عن اليونيفيل ليست سوى مراوغة وتقطيع وقت، ولا يوجد قرار حتى الآن بانتظار جملة أحداث واستحقاقات؛ أبرزها: حسم جيش الاحتلال خياراته بشأن الانسحاب أو إعادة الانتشار أو التوسّع لما بعد علي الطاهر أو الإبقاء على قواته في الحدود التي وصلت إليها إلى ما بعد الانتخابات في «إسرائيل»، والثاني انتخابات الكنيست وما ستفرزه من توازنات سياسية جديدة في «إسرائيل» وصياغة رؤية جديدة للوضع الأمني والعسكري على الجبهة الشمالية، والثالث الانتخابات الأميركيّة وانعكاسها على السياسات الأميركية في المنطقة ومسار المفاوضات الأميركي – الإيراني والمقاربة الأميركية للملف اللبناني – الإسرائيلي». وحذّر المصدر من أن إبعاد اليونيفيل عن الملف الأمني على الحدود ورفض قوات أوروبية بصيغ أخرى يهدفان إلى الاستفراد الأمني بلبنان، وإلغاء كل قنوات التواصل غير المباشرة بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي لدفع الجيش اللبناني للتنسيق المباشر مع جيش الاحتلال، ليكون مقدمة للتطبيع الأمني وإيلاء الجيش اللبناني مهمة نزع السلاح بدلاً من الجيش الإسرائيلي في مراحل لاحقة.
إلى ذلك، أجرى رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، عشية توجهه إلى الولايات المتحدة الأميركية، اتصالاً برئيس مجلس النواب نبيه بري، وتداول معه في آخر التطورات، ولا سيما في الجنوب، وفي المواضيع التي سيبحثها خلال لقاءاته في نيويورك وواشنطن.
بدوره، استقبل رئيس الجمهورية سلام في قصر بعبدا، وتداول معه في الأوضاع العامة في البلاد، لا سيما في الجنوب حيث تتوالى الاعتداءات الإسرائيلية على قراه وبلداته. وأطلع عون سلام على نتائج لقاءاته في باريس مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني ابن الحسين ومداولات الاجتماع التحضيري للمؤتمر الدولي لدعم الجيش وقوى الأمن الداخلي. وتداول الرئيسان جدول أعمال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك التي تبدأ أعمالها الثلاثاء المقبل، حيث سيرأس الرئيس سلام وفد لبنان إليها، وفي الاجتماع الذي سيعقد في واشنطن للبحث في الأوضاع اللبنانية.
وفي ظل الاعتداءات الصهيونية المتواصلة على القرى الجنوبية، تتكرر مشاهد تراجع وحدات الجيش اللبناني وإخلائها لبعض المواقع الأمامية عند كل استحقاق ميداني مفصلي، لتكشف مجدداً السيادة المعطّلة والحماية المفقودة من قبل الدولة اللبنانية. ففي خرق للسيادة اللبنانية ولاتفاق وقف إطلاق النار، رُصدت تحركات ميدانية من قبل جيش العدو في محيط بلدة دير ميماس، حيث تقدّمت قوة «إسرائيلية» باتجاه أطراف البلدة، وصولاً إلى منطقة التقاطع، بالقرب من نقطة مستحدثة للجيش اللبناني بحسب ما أفادت الوكالة الوطنية للإعلام، ما دفع الجيش اللبناني لاستقدام تعزيزات كبيرة من مركزه في برج الملوك باتجاه النقطة المستحدثة عند أطراف دير ميماس.
وأفادت المعلومات بأنّ جيش الاحتلال ألقى 6 قنابل صوتية في محيط النقطة التي تمركزت فيها قواته عند المدخل الداخلي لبلدة دير ميماس، بالتزامن مع وصول تعزيزات للجيش اللبناني إلى محيط البلدة.
كما أفادت معلومات بأن جيش الاحتلال هدّد باستهداف الجيش اللبناني إذا لم يغادر الموقع عند أطراف دير ميماس، ما دفع الجيش اللبناني للتراجع عن النقطة المستحدثة، بالتزامن مع تقدم القوة الصهيونية باتجاه المنطقة وقيامها بعمليات دهم وتفتيش في المنازل المحيطة بالمكان.
وأوضحت قيادة الجيش أنّه «في سياق المهمات التي تنفّذها الوحدات العسكرية داخل بلدة دير ميماس – مرجعيون، أقامت دورية للجيش نقطة مراقبة مؤقتة مستحدَثة عند أطراف البلدة بتاريخ 10/9/2026، بالتنسيق مع مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان MCG4L، لمواكبة الأهالي أثناء تفقُّدهم الأراضي الزراعية». وذكرت أنه «بتاريخ 18/9/2026، اقتربت قوة تابعة للاحتلال الإسرائيلي من النقطة المستحدَثة داخل ما يسمّى بالمنطقة الأمنية، وألقت قنابل صوتية في محيط البقعة، وعلى أثر ذلك، قام الجيش بتعزيز النقطة، وحدث استنفار بين الجانبين».
ولفتت إلى أنه «نتيجة الاتصالات التي جرت عبر MCG4L، غادرت القوة التابعة للاحتلال الإسرائيلي المكان، ثم عاد عناصر الجيش بعد ذلك إلى مركزهم الأساسي في البلدة»، مشيرةً إلى أنه «تجري المتابعة بالتنسيق مع MCG4L».
وأضرم جيش الاحتلال النيران في مستشفى ميس الجبل في الجنوب، ونفّذ تفجيراً في البياضة، في حين استهدف قصفٌ بلدة المنصوري، بينما تحرّكت آليات للجيش الإسرائيلي داخل المنصوري وقوة أخرى من الطيري باتجاه حداثا.
ودانت وزارة الصحة العامة بـ «أشد العبارات وأقسى عبارات الاستنكار الجريمة البربرية الموصوفة التي ارتكبها العدو الإسرائيلي عبر إحراق مستشفى ميس الجبل الحكومي، في اعتداء صارخ ووحشي فاضح».
في المواقف، أدان عضو كتلة الوفاء للمقاومة، النائب علي عمار، بشدّة «اعتداء العدو «الإسرائيلي» على الجيش اللبناني في بلدة دير ميماس»، مؤكّداً أنّ «هذا الاعتداء تأكيد جديد على أن العدو «الإسرائيلي» لا يريد جيشاً قوياً يمارس دوره الوطني في حماية أرضه وحدوده». وأضاف: «هذه الحادثة الخطيرة تستدعي من السلطة دق جرس الإنذار، وهي النتيجة الطبيعية للمسار الخاطئ والمذل الذي سارت عليه السلطة وللنهج الذي أمعن في تقديم التنازلات للاحتلال».
ودعا السلطة إلى أنْ «تدرك أن العدو «الإسرائيلي» ومن خلفه الأميركي لا يريدان دولة قوية وجيشاً قادراً على حماية سيادته، بل يريدان دولة ضعيفة وتابعة وراضخة لإملاءاتهما ومنزوعة القدرة على الدفاع عن نفسها».
واعتبر نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، الشيخ علي الخطيب، أن ما حصل في دير ميماس «إهانة للجيش اللبناني. فالجيش قادر على المواجهة لكن الإرادة السياسيّة تمنعه من ذلك». وقال: «قد توجهنا إلى هؤلاء بأننا لن نتخلى عن أرضنا، ولن نتخلى عن تحميل المسؤولين مسؤولياتهم تجاه شعبهم».
من جهته، اعتبر الشيخ أحمد قبلان أن «الانقسام السياسي في البلد يهدّد وجوده، والبيئة الإقليمية الدولية تستثمر كل إمكاناتها في العمل على تمزيق الداخل اللبناني ونشر التوتر بين مكوّناته وتلزيم إعلامه لأبواق الفتنة الطائفية، والبلد المنقسم على نفسه سرعان ما ينهار وتأكله النيران، ولا شيء أهم من سياسة فرّق تسد عند واشنطن وتل أبيب للتمزيق العمودي والفتنة الداخلية في لبنان».
وأكّد أن «رئيس الجمهورية قادر على سدّ أبواب هذه الفتنة الخطيرة من الخارج، وهو يستطيع إذا أراد، بل هذا ما نريده منه؛ لأن لبنان لا ينهض ولا يبقى إلا بقرار وطني كامل وشراكة توافقية تامة، والتاريخ السياسي صريح بأن الشعب الذي يتبادل الضغائن والأحقاد يصبح فريسة سهلة بيد الأعداء. ولا نريد للبنان أن يتمزّق في عهد الرئيس جوزاف عون، إلا أنّ لبنان الآن فوق فالق هذا التمزيق، وعلى حافة أخطر كارثة وطنية تاريخية، وإنقاذُه لا يمكن إلا بإنقاذ أولوياته السيادية وأهمها جبهة الجنوب ومنع اللعبة الدولية، والتي تعتبر أكبر فحص تاريخي للقرار الوطني وجدّيته. وأما ترك الجنوب بهذه الطريقة فإنه ينخر جسد السيادة ويفتك بصميم الشراكة ويدمّر مفهوم الدولة، بل إنّ رئاسة الجمهورية هي التي تخسر عندما يُقنعها أحدهم أن الجنوب أو الضاحية أو البقاع عدو الرئاسة الوطنية أو عدو لبنان، وهنا يخسر لبنان ويربح العدو الحقيقي الذي هو إسرائيل الإرهابية».
المصدر :الوكالة الوطنية للاعلام
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




