التدخل بغية إيقاف زحف قوات صنعاء يحتاج إلى حملة جوية تمتد لعدة أيام، وإلا فإن أي ضربات محدودة لن تكون ذات فائدة، وستجعل من أي انتصار تحققه لاحقاً حركة أنصار الله يبدو مضاعفاً.
القرار الأميركي بعدم التدخل في اليمن له أسباب عديدة.
لماذا لم تتدخل الولايات المتحدة عسكرياً، وتحاول منع تقدم قوات صنعاء وإحكام سيطرتها على مضيق باب المندب؟ يطرح هذا السؤال اليوم بقوة مع التسريبات الصحفية عن اتصالين هاتفيين أجراهما في يوم واحد ولي العهد السعودي مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وطلب فيهما التدخل عسكرياً لوقف زحف قوات صنعاء، لكن من دون فائدة.
بعيداً عن تصريحات ترامب الأخيرة، والتي ادعى فيها أن حكومة صنعاء تواصلت معه طالبةً عدم التدخل، إلا أن القرار الأميركي بعدم التدخل له أسبابه الأخرى، المباشرة وغير المباشرة.
فالتدخل بغية إيقاف زحف قوات صنعاء يحتاج إلى حملة جوية تمتد لعدة أيام، وإلا فإن أي ضربات محدودة لن تكون ذات فائدة، وستجعل من أي انتصار تحققه لاحقاً حركة أنصار الله يبدو مضاعفاً، فهو سيكون بمنزلة هزيمة مزدوجة للولايات المتحدة والسعودية معاً.
لكن ما الذي يمنع الولايات المتحدة من شن حملة جوية واسعة تمنع أنصار الله من السيطرة على باب المندب؟
لم يعد خافياً على أحد أن القوات الأميركية المنتشرة بالقرب من منطقة الخليج ليست بأفضل حالاتها من حيث الجاهزية القتالية. فإلى جانب التذمر وضعف الروح المعنوية للجنود العاملين على متن السفن الحربية وحاملات الطائرات، فإن النقص الحاد في الذخائر والصواريخ بمختلف أنواعها ووظائفها جعل القيادة العسكرية الأميركية تبدو أمام أحد خيارين: إما فتح جبهة جديدة مع أنصار الله تستنزف ما بقي لديها من ذخائر وصواريخ، وهذا ما سيجعلها عاجزة تماماً عن القيام بأي تحرك فيما لو تطورت مجريات المواجهة مع إيران.
أما الخيار الثاني فهو تحييد نفسها عن هذا النزاع للمحافظة على الحد الأدنى من جاهزية قواتها، تحسباً لأي تطور في الحرب مع إيران، أي أنها فاضلت بين أولويات جبهاتها، فكانت الجبهة الإيرانية هي الأهم بالنسبة لها.
اختارت واشنطن إلى الآن سلوك الخيار الثاني في تعاملها مع الأحداث المتسارعة في اليمن، لاسيما أن هذا الخيار يحقق لها هدفين مباشرين: الأول منع تفاقم أسعار النفط أكثر مما هي عليه حالياً، إذ إن دخولها الحرب يعني عملياً دفع أنصار الله إلى إغلاق مضيق باب المندب نهائياً.
والهدف الثاني معاقبة الرياض لرفضها المشاركة العسكرية المباشرة في الحرب على إيران، واتجاهها لاحقاً لتأسيس تحالفات إقليمية غايتها، مع مرور الوقت، الاستغناء عن مظلة الحماية الأميركية أو تقليل الاعتماد عليها، وكأن واشنطن تريد أن تقول للرياض: لنرَ ماذا يفعل لكم التحالف مع باكستان وتركيا؟
معاقبة العالم
في إصرار الرئيس ترامب على الاستمرار في حربه على إيران رغم فشلها في شقها العسكري، ثمة ما يوحي ليس فقط بمحاولته البحث عن مخرج يحفظ له ماء وجهه ويبعد عنه لقب “الرئيس المهزوم”، وإنما هناك رغبة بدت ملامحها واضحة، وتتجلى في معاقبة العالم الذي “خذله” في حربه على إيران، ورفض أن يساعده فيها، لذلك لا يضير -برأيه- أن ترتفع أسعار النفط إلى مستويات تؤلم بحق اقتصادات الدول، لاسيما تلك التي تعتمد كلياً على الاستيراد في تأمين احتياجاتها النفطية.
ومن يتابع سلوك ترامب منذ توليه مهامه يدرك أن لديه نزعة “لتأديب” العالم، الذي بحسب قناعته يستغل أميركا ويسرقها ويتكل عليها، وقضية رفع الرسوم الجمركية خير مثال على ذلك.
سيقول البعض: لكن الولايات المتحدة ستتأثر هي الأخرى برفع أسعار النفط عالمياً، وزحف معدلات التضخم. وهذا صحيح، لكن نسبة تأثر الولايات المتحدة تختلف تماماً عن غيرها. فهي أولاً دولة منتجة للنفط، ولن تكون لديها مشكلة في توفير ما تحتاجه السوق المحلية من كميات، وهي ثانياً تصدر للأسواق الخارجية.
وفي ظل هذه الأسعار المرتفعة، فإن إيراداتها ستزداد بشكل كبير، خاصة وأنها رفعت من كمية صادراتها منذ بداية حربها على إيران، بغية تعزيز سيطرتها على الأسواق التقليدية لها، ودخول أسواق جديدة.
مشكلتها الوحيدة في هذا السياق تكمن في ارتفاع أسعار المشتقات النفطية المتاحة للمستهلك الأميركي، وتحديداً مادة البنزين، وما يمكن أن تؤدي إليه هذه المشكلة من غضب داخلي يترجم في نتائج الانتخابات النصفية. لكن يبدو أن ترامب قرر مؤخراً تحرير نفسه من هذه المشكلة، أو بالأحرى أن يهرب منها باتجاه تقديم وعود للناخب الأميركي عبر جزمه بحدوث انخفاض في أسعار النفط بعد الانتخابات النصفية، وكذلك تقديمه عرضاً مغرياً يتضمن منح كل أسرة أميركية مبلغاً مالياً بحدود خمسة آلاف دولار تصرف على شراء منتجات أمريكية، فيما لو فاز حزبه بالانتخابات النصفية.
في تتبع ردود الفعل في الصحافة الأميركية، سنجد أن هناك تشكيكاً أميركياً واضحاً في تصريح ترامب، لكن ليس على شكل إجماع سياسي مباشر ضده. فالسوق لا يتعامل مع وعد ترامب باعتباره توقعاً اقتصادياً موثوقاً، بل ينظر إلى المعروض الفعلي والمخاطر الجيوسياسية، بحسب ما ذهبت إليه “الفايننشال تايمز”، في حين أن “أكسيوس” اعتبرت أن التوقعات الرسمية لأسعار الديزل لا تتوافق مع الانخفاض السريع الذي يوحي به ترامب.
وبغض النظر عن رأي الناخب الأميركي بما قاله الرئيس الأميركي مؤخراً، والذي لم تظهره نتائج أي استطلاعات للرأي حتى الآن، فإن السؤال الثالث في هذه المقالة هو: على ماذا يعول ترامب بعد الانتخابات لخفض أسعار النفط عالمياً ومحلياً؟
ليس هناك سوى أحد أمرين: إما أن يعاود الحرب على إيران، ويتمكن بالقوة من فتح مضيق هرمز أمام السفن المحملة بالنفط، وهذا مستبعد لأسباب كثيرة بات يعرفها القاصي والداني بعد تطورات الأشهر القليلة الماضية. بعض هذه الأسباب مرتبط بالموقف الإيراني المصر على حماية سيادة البلاد واستقلالها، والبعض الآخر متعلق بقدرة ترامب سياسياً واقتصادياً وعسكرياً على شن حرب جديدة، لن تكون أفضل من سابقاتها.
والأمر الثاني أن يتم فتح مضيق هرمز بموجب اتفاق دائم ينهي حالة الحرب، ويمهد لمرحلة جديدة من السلام في المنطقة. وبالنظر إلى ثبات موقف المفاوض الإيراني، ورفضه الرضوخ للمطالب الأميركية، فإن مثل هذا الاتفاق، على أهميته بالنسبة للمنطقة والعالم، إن تحقق، سيكون عملياً إعلان هزيمة لترامب وفريقه، وإن لم يُذكر ذلك علانية.
المصدر: الميادين
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




