من مضيق هرمز إلى غرينلاند وصولاً إلى القمر، يرسم دونالد ترامب جغرافيا أميركية لا تعترف كثيراً بالحدود والسيادة. خلف منشوراته الغريبة على «تروث سوشال»، يتبلور خطاب توسّعي يحوّل الأرض وأسماءها إلى أدوات قوة، والصدمة إلى سياسة، فيما تتماهى الهيمنة الأميركية أكثر فأكثر مع صورة الرئيس نفسه
يعيش العالم تجربة فريدة، أو غريبة من نوعها، مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب. بعيداً عن سياسات الإدارة الأميركية الحالية وحروبها المتلاحقة، باتت منشورات ترامب محطّ أنظار المراقبين ومصدراً لإثارة الجدل بحدّ ذاتها. وعوضاً عن الاكتفاء بالخطابات الرئاسية التقليدية، اعتاد الرئيس الجمهوري، لغاية في نفس يعقوب، أن يحوّل منصّة «تروث سوشال» إلى امتداد لمكتب الرئاسة، يعلن من خلالها مواقفه ويطلق تهديداته ويطرح أفكاره، من دون قيود لطالما أحاطت بالخطاب الرئاسي والدبلوماسي.
ومن على هذا المنبر الافتراضي، أدخل ترامب المتابعين في متاهة لا تنتهي، في محاولة لفهم مغزى منشوراته. في السادس من أيلول (سبتمبر) الماضي، نشر صورة للقمر تتوسطها عبارة «القمر لنا»، إلى جانب العلم الأميركي، من دون أن يقدّم أي تفسير لمقصده. وبذلك، بدا أن قائمة الممتلكات التي يريد الرئيس الأميركي وضعها تحت اسم بلاده لم تعد تتوقف عند الخرائط السياسية للأرض، بل امتدت إلى الفضاء أيضاً.
قد تبدو العبارة، للوهلة الأولى، مجرّد منشور غريب آخر في حساب الرئيس، لكنّها تأتي في سياق أوسع. خلال عام واحد، ظهر ترامب وهو يتحدث عن السيطرة على أراضٍ وممرّات مائية، ويقترح تغيير أسماء بحيرات وخلجان، ويتحدث عن إمكانية السيطرة على دول ذات سيادة.
لطالما قدّمت الولايات المتحدة نفسها بوصفها قائدة «العالم الحر» وحاملة لواء الديمقراطية، فيما أخفت حروبها التوسّعية ومساعيها إلى الهيمنة خلف خطاب دبلوماسي أكثر انضباطاً، يعترف، في ظاهره، بالحدود والسيادة والقانون الدولي. أمّا ترامب، فيبدو أقل اكتراثاً بهذا الستار التقليدي، وأكثر ميلاً إلى التعبير عن منطق القوة بصورة مباشرة وفجّة.
في قاموسه، تكاد المفردات أن تكون ثابتة عبر هذه المنشورات، حيث تتكرّر أفعال «نأخذ»، و«نستملك»، و«نغيّر»، و«نفرض»، و«نسيطر» و«نستحوذ». ويترافق ذلك غالباً مع حقول النفط والممرّات المائية والبحيرات، وأحياناً مع دول بأكملها، كما في حديثه عن إمكانيّة «أخذ» كوبا.
شهية توسّعية
إذا كان منشور «القمر لنا» قد دفع حدود خطاب ترامب إلى الفضاء، فإن مضيق هرمز وغرينلاند يقدّمان النسخة الأرضية من المنطق نفسه. في آب (أغسطس) المنصرم، قال ترامب إن الولايات المتحدة ستعلن مضيق هرمز «أرضاً» تابعة لها بعد انتهاء الحرب مع إيران، قبل أن يذهب أبعد من ذلك ويقول إنه ينظر إليه باعتباره «أرضاً أميركية»، كما نشر خريطة للمضيق تحمل عبارة «New U.S. Territory».
لكن على أرض الواقع، الوضع مغاير تماماً، والممرّ المائي الاستراتيجي الذي يعدّ أحد أهمّ شرايين التجارة والطاقة في العالم، يشهد أخيراً تراجعاً غير مسبوق في الوجود العسكري الأميركي. كذلك الحال في غرينلاند، التي يصرّ ترامب على ضرورة «حصول» الولايات المتحدة عليها، قائلاً إنّ بلاده «ستفعل شيئاً» هناك «سواء أعجبهم ذلك أم لا»، فالإقليم يتمتّع بحكم ذاتي ضمن مملكة الدنمارك، وله حكومة وسكان ومؤسسات، وقد قوبلت طموحات الرئيس الأميركي بالرفض من كوبنهاغن ومن قطاعات واسعة من سكان الجزيرة.
ينشر مراراً صوراً تُقدّمه بمنزلة «البطل الخارق»
ولا يتوقف الأمر عند محاولة امتلاك الأرض، إذ يمكن، في قاموس ترامب، البدء بامتلاك اسمها. في الشهر الماضي أيضاً، أقرّ استخدام «بحيرة أميركا» بدلاً من «بحيرة أونتاريو» في التسمية الفدرالية الأميركية، بعدما سبق له أن فرض «خليج أميركا» عوضاً من «خليج المكسيك».
في هذا السياق، تتواصل شهيّة ترامب التوسعية من دون بوادر كلل أو ملل. واستتبع حملة استبدال الأسماء عبر اقتراح تغيير اسم ولاية «نيو ميكسيكو» إلى «نيو أميركا»، واصفاً الاسم الجديد بأنّه «أكثر هيبة وجمالاً».
الغرابة كأداة سياسية
توحي منشورات ترامب، بغرابتها، للمتابعين بأنّها نزوات عابرة أو مجرّد مادّة للسخرية، لكن في المضمون لا يُنظر إلى «القمر لنا» بمعزل عن خطاب «أميركا أولاً». بالنسبة إلى جزء من جمهور ترامب، ليست القضية القانونية أن الولايات المتحدة لا تستطيع امتلاك القمر، بل الصورة الرمزية التي تحملها العبارة بوصف الولايات المتحدة قوية إلى درجة أنّها تطالب حتّى بما لا يمكن امتلاكه.
وهنا تكمن إحدى وظائف هذا الخطاب الذي لا يعدّ «خطّة عبقرية» بقدر ما هو خطاب شعبوي يُلاقي طموحات الشريحة اليمينية الأميركية. لذلك، يدأب ترامب على التعبير عن القوّة الأميركية، ويحوّلها إلى استعراض دائم يدفع فيه حدود ما يمكن لرئيس دولة أن يقوله، أو ينشره، ثمّ يترك للإعلام والجمهور مهمّة التعامل مع الصدمة. وما إن يكتب «القمر لنا» حتى تتجه الأنظار إليه، وتتحول العبارة إلى حديث سياسي وإعلامي، بصرف النظر عن مدى جديتها القانونية أو العملية.
وبهذا المعنى، لا يحتاج المنشور إلى أن يكون سياسة فعلية حتى يؤدي وظيفة سياسية. يكفي أن يفرض نفسه على النقاش العام، وأن يعيد تثبيت الصورة التي يريد ترامب تقديمها عن الولايات المتحدة كدولة لا تطلب الإذن، ورئيس لا يعترف كثيراً بالحدود التقليدية للخطاب الدبلوماسي، ولا بحقوق الشعوب والدول بتقرير مصيرها بنفسها.
وتتكرر الآلية نفسها في حديثه عن غرينلاند وكوبا ومضيق هرمز، وحتى في إعادة تسمية الأماكن. فالجغرافيا، في هذا الخطاب، تتحول من مساحة تحكمها السيادة والقوانين والمعاهدات إلى ساحة لاستعراض النفوذ. وما لا يمكن امتلاكه يمكن المطالبة به أو تغيير اسمه، وما يبدو مستحيلاً يمكن طرحه أولاً بوصفه مطلباً أميركياً ثم انتظار رد الفعل.
لكن خلف هذا الاستعراض الخارجي، تبرز سمة أخرى أكثر عمقاً في شخصنة السلطة. يربط ترامب القوّة الأميركية بشخصيّته السياسية، مثل اقتراح تسمية مضيق هرمز بـ «مضيق ترامب»، وينشر مراراً صوراً تُقدّمه بمنزلة «البطل الخارق».
وهكذا تصبح الغرابة نفسها جزءاً من أسلوب الحكم، والرئيس الذي يكسر قواعد الخطاب السياسي التقليدي يحظى باهتمام دائم ويحوّل كل تصريح صادم إلى حدث، وكل استفزاز إلى اختبار جديد لحدود المقبول، محوّلاً الصدمة بحدّ ذاتها إلى أداة قوّة.
علي سرور-الاخبار
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




