يتمثل التحدي الأكبر الذي يواجه الغرب في التكيّف مع توزيع جديد للقوة الدولية: كيف يتحقق السلام والنظام في عالم ما بعد الهيمنة الغربية؟
من أهم الأسئلة المطروحة في الأنظمة الاجتماعية: كيف يُمكن إرساء النظام عبر إدارة المصالح المتضاربة؟ لذا، في مجال الأمن الدولي، يجب أن نطرح السؤال الآتي: كيف ندير المصالح الأمنية المتضاربة للدول؟
يلاحظ أستاذ العلوم السياسية بجامعة جنوب شرق النرويج، غلين ديزن، أن هذا السؤال لم يُطرح منذ زمن طويل، فالنظام العالمي بعد نهاية الحرب الباردة كان قائمًا على الهيمنة الجماعية للغرب. وبحكم طبيعته، نظام الهيمنة لا يُدير المصالح الأمنية المتنافسة للدول، بل يسعى لتحقيق الاستقرار والنظام والسلام بواسطة الهيمنة ذاتها. لكن هذه الهيمنة ولّت أيامها، ويجب الآن معالجة مصالح الدول الأمنية المتضاربة مجددًا.
الهيمنة والقيم العالمية
تُعدّ مناقشة الشواغل الأمنية للدول الأخرى أمرًا بالغ الصعوبة بالنسبة إلى دولة كانت مهيمنة، إذ يُعد ذلك خيانة لـ”القيم العالمية”. فالدول المهيمنة تسعى دائمًا لإضفاء شرعية على هيمنتها باعتبارها خيرًا عامًا، ولذلك تُصوَّر مصالحها وامتيازاتها الخاصة بأنها “قيم عالمية”. فلم يعد الغرب يتحدث عن الأمن الدولي باعتباره مصالح أمنية متنافسة أو متناقضة، بل كقيم عالمية.
وبحسب ديزن أيضاً، صوّر نظام “الهيمنة الليبرالية” العالمي في فترة ما بعد الحرب الباردة هيمنة الغرب الجماعية أنها “قوة خير” من خلال الترويج المزعوم للقيم الديمقراطية الليبرالية. تبنّت الطبقة السياسية الغربية التي نشأت على مدى العقود الماضية، عقب نهاية الحرب الباردة، أيديولوجية قائمة على نظرية فوكوياما “نهاية التاريخ”، حيث سيتّحد العالم تحت الديمقراطية الليبرالية والقيادة الغربية. أصبحت “الهيمنة الليبرالية” معيارًا سائدًا بل مهيمنًا، إذ لم يكن لهذه “القيم العالمية” أن تسود إلا في ظل هيمنة غربية.
خيارات قوة مهيمنة متراجعة
يتوقع ديزن سعي القوة المهيمنة المتراجعة لإضعاف القوى الصاعدة، وأن تتخلى عن جميع “القيم العالمية” التي لم تعد تدعم هيمنتها. فما هو الرد المتوقع من القوة المهيمنة الراهنة؟
ويرى أن الرد المتوقع سيكون حرباً اقتصادية ضد الصين لمنع صعودها التكنولوجي والاقتصادي، وإذا لم ينجح ذلك، فقد يتم التصعيد إلى حرب فعلية. في أوروبا، يمكن استعادة الهيمنة عبر توسع حلف “الناتو”، وحروباً بالوكالة لإضعاف روسيا كقوة منافسة. في الشرق الأوسط، ستكون إيران الهدف الرئيس لتغيير نظامها أو تدميرها باعتبارها القوة المنافسة الرئيسة في المنطقة.
بل ويجب أن يخضع نصف الكرة الغربي مجددًا لـ”مبدأ مونرو”، الذي يحتكر النفوذ هناك لأميركا حصرًا ويحظر نفوذ أي قوة أخرى، وجدده ترامب باسم “مبدأ دونرو”. لكن الممارسة أظهرت أن “مبدأ دونرو” في استراتيجية الأمن القومي مجرد استعراض سياسي داخلي، وليس استراتيجية كبرى قابلة للتطبيق. وستصبح أفريقيا ساحة صراع على النفوذ، وسيتعين على حلفاء القوة المهيمنة دفع الإتاوات.
على أي حال، لقد زالت الهيمنة بالفعل. إذ تستطيع الصين مقاومة الإكراه الاقتصادي، وتستطيع روسيا التصدي وموازنة توسع “الناتو”، وهزمت إيران الولايات المتحدة هزيمة نكراء، وتجاوز التوسع الإمبريالي لواشنطن حدود قدرتها على استمراره واستدامته، بحسب ديزن.
أزمة اقتصادية ونقدية
لا حلول للأزمة الاقتصادية القادمة تنقذ الوضع. بل إن أستاذ الاقتصاد بجامعة برنستون، مارتن آرمسترونغ، الذي تنبأ بدقة في تسعينيات القرن الماضي بانهيار روسيا، رأى مؤخراً – في حوار مع ديزن – أن انهيار الغرب الاقتصادي قد بدأ بالفعل، وتوقع تفكك الاتحاد الأوروبي.
بدورها، تتناول راديكا ديساي، أستاذة الاقتصاد بجامعة مانيتوبا ومؤلفة كتاب “الاقتصاد الجيوسياسي”، المأزق النقدي الذي يواجه بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي.
إذ يفترض نظريًا أن يدفع التضخم المستمر لرفع أسعار الفائدة. لكن رفعها إلى مستوى مؤثر سيؤدي إلى انفجار “فقاعات الأصول” التي يقوم عليها نظام الدولار لأن السيولة ستتجه نحو البنوك. ويؤدي إبقاء أسعار الفائدة منخفضة إلى تآكل قيمة الدولار نتيجة التضخم. فكلا المسارين يُعرّض النظام الاقتصادي العالمي القائم على “بريتون وودز” لمخاطر جسيمة.
ولا تبدو أجندة ترامب الداخلية أفضل حالًا. فقد أسفرت وعود إعادة التصنيع عن القليل بجانب فرض تعريفات جمركية شكلية، ورهان ضخم على الذكاء الاصطناعي “التوليدي” – وهو مشروع “خيالي” بلا جدوى ملموسة.
وتحذر ديساي، من دون سياسة صناعية متماسكة قادرة على ضبط رأس المال وهي غير مرجّحة، تبقى التعريفات الجمركية مسرحية جوفاء، في حين تتجه الطبقة الرأسمالية الأميركية نفسها في اتجاهات متناقضة: فالخطاب المعادي للصين يتعايش مع رؤساء تنفيذيين يائسين يريدون الحفاظ على أعمالهم في الصين.
ومع انهيار نموذج الأعمال الخليجي القائم على السياحة الراقية والتمويل تحت مظلة الأمن الأميركي، جاء اتفاق مكة بين السعودية وتركيا وباكستان مؤشرًا مبكرًا على أن الشركاء القدامى لم يعودوا يثقون بتلك المظلة.
السلام في عالم متعدد الأقطاب
يتساءل ديزن: لكن، هل يتحقق السلام حصرًا بهيمنة الاقتصاد والتكنولوجيا الأميركية على الصين؟ هل يتحقق السلام في أوروبا فقط باستمرار توسع “الناتو” وقدرته المطلقة على مهاجمة الدول الأخرى من دون رادع؟ هل يتحقق السلام في الشرق الأوسط فقط بتغيير أنظمة الدول المنافسة للغرب بالمنطقة أو تدميرها؟ هل يتحقق السلام والنظام فقط بتدخل الغرب في الشؤون الداخلية للدول الأخرى!
لو سألت المتشددين الأصوليين المؤدلجين في الغرب عن مقومات النظام الدولي، فستجد أن إجابتهم تشير دائمًا إلى أحد أشكال “القيم العالمية” المرتبطة بالهيمنة الغربية.
يتمثل التحدي الأكبر الذي يواجه الغرب في التكيف مع توزيع جديد للقوة الدولية: كيف يتحقق السلام والنظام في عالم ما بعد الهيمنة الغربية؟
هل يختار الغرب الحرب؟
إن التخلي عن أيديولوجيات الهيمنة، وإعادة بناء أنظمة لإدارة المصالح الأمنية المتنافسة، ليس أمرًا هينًا. فقد برزت الطبقة السياسية الراهنة في العقود الماضية انطلاقًا من اعتقادها بأن لها دورًا فريدًا في التاريخ، وأنها مسؤولة عن الانتقال من عالمٍ سادته الفوضى إلى عالمٍ أكثر سلامًا وعدلًا واستقرارًا. وفي مهمة حضارية جديدة وفاضلة، سيهيمن الغرب دائمًا، وسيكون ذلك في مصلحة البشرية جمعاء، في حين أنهم في الواقع يترأسون حقبةً تُنهي 500 عام من الهيمنة الغربية.
في ظل هذه البيئة، سيرفض المتشددون الأصوليون المؤدلجون في الغرب مناقشة التكيف مع توزيع دولي جديد للقوة. ولن يناقشوا بالتأكيد المخاوف الأمنية للدول المنافسة، إذ يُعد ذلك خيانة للقيم العالمية. وبدلًا من ذلك، يبرز الصقور المتشددون بسرعة عبر الترويج لوهم أن حربًا عظيمة واحدة تعيد العصر الذهبي.
وبحسب ديزن، في حين يستعد الغرب لحرب دائمة متعهدًا بتحقيق سلام دائم، يُضحّى بقواعد شرّعت هيمنته: حرية التعبير، وحرية الملاحة، وقواعد النظام المالي الدولي، والتجارة الدولية، وغيرها ضمنت عالمًا منفتحًا ومترابطًا. وتُنبَذ المبادئ المقدسة بتبرير الإبادة الجماعية والقبول بها. وتُرفض الدبلوماسية باعتبارها استرضاءً وتخاذلًا، ويُستهان بالخوف من خطر الحرب النووية باعتباره استسلامًا للابتزاز النووي.
بدوره، يرى خبير الحروب النووية في الجامعة الأميركية بواشنطن، بيتر كوزنيك، أن العالم دخل مرحلة بالغة الخطورة، حيث ينبغي لاحتمال نشوب حرب نووية أن يكون شاغلًا سياسيًا محوريًا. فالخطر تفاقم لأن القادة السياسيين والعسكريين يناقشون الحرب النووية باطراد باعتبارها حربًا يمكن خوضها والانتصار فيها. ويعتقد جيل جديد من المخططين النوويين أن تقدم الذكاء الاصطناعي والمراقبة والسونار وتكنولوجيا الصواريخ قد يُتيح تدمير قوات الخصم النووية بـ”ضربة أولى” استباقية. وهذا أمر بالغ الخطورة، لأن مجرد الاعتقاد بإمكانية الانتصار في حرب نووية يدفع القادة إلى خوض مخاطر أكبر.
تآكل اتفاقيات الحد من التسلح مصدر خطر رئيسي آخر. سابقًا، وضعت واشنطن وموسكو معاهدات وآليات اتصال وترتيبات بهدف الحد من احتمال التصعيد العرَضي. لكن ضمانات عديدة اختفت، ما ترك البلدين من دون إطار استقرار استراتيجي يمنع الكارثة.
ولا تزال الحلول العسكرية تفشل باطراد في حل النزاعات الدولية الكبرى. وتمثل الصعوبات التي تواجه أميركا في إيران وروسيا في أوكرانيا دليلاً على عجز الدول القوية عن فرض نتائج سياسية بالقوة، وهذا يُتيح فرصة لإعادة النظر في افتراض أن الضغط العسكري وسيلة أساسية لحل النزاعات.
أوهام الأسلحة النووية التكتيكية
يعتقد جون ميرشايمر، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة شيكاغو، أن تواتر الحديث مؤخرًا حول احتمال استخدام الأسلحة النووية التكتيكية، لحسم حربي أوكرانيا وإيران، أوهام خطيرة تقوّض الاستقرار ولا تعزز الجدوى العسكرية.
ومنها وهم الوعد الزائف بسهولة استخدامها. فالأسلحة النووية التكتيكية ذات القوة التدميرية المنخفضة تخلق خرافة إمكانية خوض حرب نووية أو السيطرة عليها أو الانتصار فيها بساحة معركة تقليدية. ونظرًا إلى صغر حجم هذه الأسلحة، يظن سياسيون وعسكريون أنها “قابلة للاستخدام”، ما يُقرّب بشكل خطير عتبة التورط في جحيم نووي.
وهناك التصعيد وفشل الردع. تصعيد لا يمكن السيطرة عليه. فإدخال الأسلحة النووية التكتيكية في نزاع ما يُؤدي إلى تصعيد سريع نحو حرب فناء استراتيجية شاملة.
بحسب ميرشايمر، تولّد الحرب النووية التكتيكية ديناميات مزعزعة للاستقرار. فبدل تعزيز الردع، يُؤدي وجود الأسلحة النووية في ساحة المعركة إلى حالة عدم اليقين الشديد ويُشجّع على شن ضربات استباقية أثناء الأزمات.
من منظور واقعي، التدمير المتبادل مؤكد. وفقًا لإطار ميرشايمر الواقعي، تُرسّخ الترسانات الاستراتيجية الضخمة حالة جمود مستقرة عبر الخوف المطلق من إبادة شاملة. فالأسلحة التكتيكية تُخل بهذا المنطق الرادع الواضح لدى محاولة دمج الحرب التقليدية بالأسلحة النووية، ما يفاقم – في نهاية المطاف – احتمال حدوث أخطاء كارثية.
أين يتجه العالم؟
برفض الغرب نظامًا دوليًا قائمًا على القواعد وإعراضه عن السلام عبر إدارة المصالح الأمنية المتنافسة، اختار الغرب الحرب لاستعادة “سلام” هيمنته المستحيل.
لكن هذا، بحسب ديساي، لن يكون تكرارًا لعداوات القوى الكبرى على غرار عام 1914. فالقوة الرأسمالية المتراجعة تواجه دولة اشتراكية كبرى – الصين – تحقق نموًا وابتكارًا ومستويات معيشية مرتفعة لم يعد الغرب يملك مجاراتها.
كما فقدت العقوبات، التي اعتُبِرت سابقاً بديلاً أنيقاً للحرب، فعاليتها لأن جاذبية الغرب الاقتصادية ذاتها تلاشت. ويُعدّ تكيّف روسيا منذ عام 2014 خير دليل على ذلك.
يخلص إيان براود، الكاتب والدبلوماسي البريطاني السابق، إلى أن شمال غرب العالم مستمر في تصدير الفوضى بينما تتفاقم تناقضاته الداخلية، بينما بدأت “أغلبية العالم” بالفعل تعيد النظر في خياراتها التجارية والاستثمارية والأمنية وتنأى بنفسها بعيدًا من الغرب.
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.



