المدير العام للصندوق الدكتور محمد كركي لـالنهار: تنفيذه ينتظر همة أهل السياسة!
بعد عقود أمضاها في العمل، يصل الموظف إلى اليوم الذي يفترض أن يغادر فيه مكتبه وهو يتطلع إلى قدر من الطمأنينة، قوامها راتب تقاعدي يحفظ له دخله، ونظام صحي يحميه، وشعور بأن سنوات عمله لم تذهب سدى.
لكن هذه الصورة لا تزال، حتى اليوم، بعيدة عن الواقع اللبناني.
فالعامل الذي يقترب من التقاعد لا يملك معاشاً تقاعدياً يضمن له دخلاً مستمراً، فيما لم يعد تعويض نهاية الخدمة يشكل الضمانة التي كان يعوّل عليها، بعدما تآكلت قيمته بفعل التضخم وانهيار سعر الصرف، وتراجعت الثقة بالنظام المصرفي الذي كان يفترض أن يشكل ملاذاً للمدخرات.
هذا هو واقع نظام الحماية الاجتماعية في لبنان اليوم، لكنه ليس بالضرورة الصورة التي يُفترض أن يبقى عليها. فمع إقرار القانون الرقم 319 في 28 كانون الأول 2023، بدأت البلاد تنتقل، ولو تدريجياً، إلى مرحلة مختلفة، تقوم على تحويل نظام تعويض نهاية الخدمة، المعتمد منذ أكثر من نصف قرن، إلى منظومة تقاعد وحماية اجتماعية أكثر شمولاً.
ويهدف القانون إلى تأمين معاش دوري في الشيخوخة، إلى جانب معاش العجز ومعاشات خلفاء المضمونين، مع استمرار الرعاية الصحية ضمن مظلة الضمان.
يأتي هذا التحول في وقت أظهرت فيه الأزمات الاقتصادية والمالية المتلاحقة محدودية النظام القديم، بعدما فقدت التعويضات جزءاً كبيراً من قيمتها الفعلية نتيجة التضخم وتقلبات سعر الصرف. كما أن طبيعة تعويض نهاية الخدمة كانت تربط جزءا من حقوق العامل بانتقاله من مؤسسة إلى أخرى، فيما يتيح النظام الجديد، من حيث المبدأ، حماية أكثر استمرارية وقابلية للتراكم خلال المسار المهني.
لا يقتصر الإصلاح على تغيير طريقة الدفع، بل يعيد صياغة فلسفة الحماية الاجتماعية، عبر ربط الحق التقاعدي باستمرارية الاشتراك والمسار المهني للمضمون. ويجمع النظام بين التوزيع والرسملة، ويعتمد الاشتراكات المحددة، مع ضمانتين لاحتساب المعاش، يستفيد المضمون من الأفضل بينهما.
الضمانة الأولى ترتبط بالحد الأدنى الرسمي للأجور، وتبدأ من 55% لمن أمضى 15 سنة اشتراك كاملة، وترتفع تدريجياً مع سنوات الاشتراك الإضافية لتصل إلى 80%. أما الثانية، فتربط المعاش بمتوسط الأجور المصرح عنها طوال فترة الاشتراك، بعد إعادة تقييمها حتى تاريخ التقاعد، على أساس 1.33% عن كل سنة اشتراك.
كما ينص القانون على إعادة تقييم وفهرسة الأجور والمعاشات دورياً بما يتلاءم مع تطور متوسط أجور المشتركين. وتراوح الاشتراكات بين أصحاب العمل والأجراء بين 17 و18% ضمن سقف يحدد لاحقاً، فيما يتولى مجلس الوزراء تحديد نسب الاشتراكات وتوزيعها والحد الأقصى للأجر الخاضع لها، إضافة إلى معالجة الحقوق المكتسبة خلال الانتقال من النظام القديم إلى الجديد.
المراسيم تؤخر ولادة النظام
لم يبدأ التحضير لهذا التحول مع إقرار القانون. فقد عمل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي منذ عام 2017 على تحديث بنيته المعلوماتية، وأنجزت الحسابات الفردية للمضمونين للأعوام 2020-2024، فيما أدخل المتقاعدون إلى مظلة الضمان الصحي منذ عام 2017.
وبعد إقرار القانون، صدر مرسومان تطبيقيان، الأول في أيلول 2024 لتحديد الهيئات الأكثر تمثيلا لأصحاب العمل والأجراء، والثاني في آب 2025 لتحديد شروط المرشحين لعضوية مجلس الإدارة. ومن أصل نحو 14 إلى 15 مرسوماً يحتاج إليها تطبيق القانون، أنجز حتى الآن ثلاثة.
ولكن متى يبدأ العامل فعلياً بتقاضي راتبه التقاعدي؟
يجيب المدير العام للصندوق الدكتور محمد كركي، بأن استكمال العملية يحتاج إلى نحو سنة كحد أدنى، شرط توافر الإرادة السياسية والتوافقات المطلوبة. فالمشكلة، بحسبه، “سياسية أكثر منها إدارية”، لأن معظم المراسيم المتبقية يمكن إنجازها خلال خمسة أو ستة أشهر، باستثناء ملفين أساسيين.
مسن يتكىء على عصا (تعبيرية)
مرسوم الانتقال ولجنة الاستثمار؟
الأول هو مرسوم الانتقال من تعويض نهاية الخدمة إلى النظام الجديد، وهو الأكثر تعقيدا، لأنه سيحدد نسبة الاشتراكات، وآلية نقل الحقوق المكتسبة، وكيفية التعامل مع مبالغ التسوية، وما إذا كانت ستدفع دفعة واحدة أو بالتقسيط.
أما الثاني، فيتعلق بتشكيل لجنة الاستثمار وتعيين مدير الاستثمار والجهاز الاستثماري، وهي خطوة محورية لإدارة الأموال المتراكمة وحماية استدامة النظام.
ويعيد القانون، في هذا السياق، تنظيم حوكمة الصندوق، إذ ينتقل مجلس الإدارة من 26 عضواً إلى 10 أعضاء من ذوي الخبرة، فيما تستحدث لجنة استثمار مستقلة إدارياً ومالياً وإدارة تنفيذية متخصصة.
ويرى كركي أن إنجاز الانتقال لا يعتمد على المراسيم وحدها، بل على تعاون مجلس الخدمة المدنية ووزارتي العمل والمالية ومجلس إدارة الضمان، فضلاً عن استقرار الأوضاع الأمنية والاقتصادية، خصوصاً أن الانتقال قد يرتب على أصحاب العمل تسديد مبالغ التسوية أو تقسيطها.
الإرادة السياسية تحدد موعد الانطلاق
وعليه، تمثل سنة واحدة الحد الأدنى المتوقع لإطلاق النظام إذا توافرت الإرادة السياسية، فيما قد تمتد المهلة أكثر إذا استمر التعثر. وكان الصندوق يتحدث أصلاً عن فترة تقارب السنتين للانتقال، قبل أن تؤدي الحرب والظروف الأمنية إلى تأخير المسار.
ولا تتوقف عملية الانتقال عند صدور المراسيم، إذ يبقى نجاح النظام مرتبطاً بقدرته على تحقيق الاستدامة المالية، وحسن إدارة أموال التقاعد، وانتظام الاشتراكات والتصريح الحقيقي عن الأجور، إلى جانب قدرة الصندوق على تطوير بنيته الرقمية.
ويبقى نجاح الإصلاح مرتبطاً بستة ملفات أساسية: استكمال المراسيم التطبيقية، والحوكمة، والاستثمار، والاستدامة المالية، والتحول الرقمي، ونشر الوعي التأميني.
فالحسابات الفردية والتحول الرقمي يشكلان قاعدة أساسية للنظام الجديد، بما يسمح بتتبع الاشتراكات والحقوق واحتساب المعاشات وإدارة البيانات بكفاءة، فيما يشكل الاستثمار الرشيد للأموال عنصراً حاسماً في حماية حقوق المضمونين على المدى الطويل.
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




