ثبّت تطبيق صدى الضاحية
لتصلك آخر الأخبار بسرعة وسهولة
في 30 أيلول/سبتمبر المقبل، تنتهي مهمة التحالف الدولي لمحاربة تنظيم “داعش” في العراق، في محطة تنهي فصلاً عسكرياً وسياسياً بدأ قبل 12 عاماً. لكن انسحاب التحالف الأميركي من العراق لا يعني نهاية كل أشكال العلاقة مع الولايات المتحدة، بل يفتح مرحلة جديدة تطرح أسئلة حول الأمن والسيادة والعلاقة مع واشنطن وإيران، إلى جانب ملف حصر السلاح.
ووفق الجدول الذي اتفقت عليه بغداد وواشنطن عام 2024، يمثل 30 أيلول موعد انتهاء المهمة العسكرية للتحالف وانتهاء وجود قواته. وقد دخلت عملية الانسحاب مرحلتها الأخيرة بعد تسلم القوات العراقية قواعد سابقة للتحالف، فيما تتواصل ترتيبات مغادرة ما تبقى من القوات، وسط تأكيد بغداد أن الانسحاب يجري وفق جدول متفق عليه.
ولا تقوم المرحلة المقبلة على قطيعة مع واشنطن، إذ ينص المسار المتفق عليه على الانتقال من مهمة التحالف العسكرية والأمنية إلى علاقات أمنية ثنائية.
وتسعى الولايات المتحدة، بحسب ما ورد في اتفاقات 2024، إلى إنهاء مهمة ما تسمّيه “العزم الصلب” في العراق، مع الإبقاء على علاقة أمنية وسياسية واقتصادية أوسع مع بغداد، وتحويل الشراكة إلى “تعاون ثنائي أكثر استدامة”.
تحدي إدارة الأمن الوطني
راكمت القوات العراقية، وخصوصاً الحشد الشعبي وقوات مكافحة الإرهاب، منذ معارك تحرير المدن من “داعش”، خبرات في العمليات البرية والاستخبارات ومكافحة الإرهاب. كما أصبحت المؤسسات الأمنية أكثر قدرة على إدارة العمليات مقارنة بمرحلة 2014.
ويقوم الخطاب الرسمي العراقي اليوم على أن المؤسسة العسكرية والأمنية باتت قادرة على إدارة الأمن الوطني من دون الحاجة إلى قوة أجنبية تعمل على الأرض.
لكن إدارة الأمن لا تعني امتلاك جميع عناصر القوة التي كان يوفرها التحالف. فالقوة العسكرية الحديثة تشمل، إلى جانب الجنود والآليات، الاستطلاع الجوي وجمع المعلومات والمراقبة والاتصالات وتبادل المعلومات الاستخبارية.
ومن المقرر أن تبقى هذه المجالات جزءاً من التعاون العراقي مع دول التحالف حتى بعد 30 أيلول، ما يجعلها إحدى نقاط الضعف في انتقال العراق نحو السيادة الكاملة.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الحشد الشعبي، الذي يصفه النص بأنه مؤسسة رسمية عراقية أُنشئت في سياق الحرب على “داعش”، وتضم تشكيلات قاتلت التنظيم وقدمت تضحيات كبيرة، وراكمت خبرات أمنية وعسكرية، فضلاً عن انتشارها الواسع على امتداد الجغرافيا العراقية.
لكن المشكلة التي تواجه الحكومة، بحسب ما تعلن أوساطها، ترتبط بازدواجية بعض التشكيلات بين موقعها داخل الدولة وامتلاكها قراراً وسلاحاً لا يخضعان بصورة كاملة للقرار الأمني المركزي.
ومن هنا، فإن إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والفصائل لا تبدو مسألة إدارية فقط، بل ترتبط بإعادة بناء مفهوم الدولة وإقناع هذه الفصائل بأن الدولة باتت قوية وممسكة بقرارها السيادي.
وتضع هذه المعادلة الحكومة أمام مهمة بناء صيغة وطنية لتنظيم السلاح وإخضاع قرار استخدام القوة للدولة، من دون تحويل الملف إلى مواجهة داخلية.
ويتقاطع موعد الانسحاب مع ملف حصر السلاح، فيما لا يبدو هذا الملف قابلاً للإنجاز بقرار سريع، نظراً لارتباطه بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والقوى السياسية والعسكرية التي تشكلت خلال سنوات الحرب على “داعش”.
وبحسب النص، بدأت الحكومة بالفعل مساراً لتسليم الأسلحة وفك الارتباط، فيما لا تزال فصائل أخرى ترفض التخلي عن سلاحها.
شكل جديد للتدخل الخارجي
بحسب المحسوبين على الحكومة، يفترض أن يعزز خروج القوات الأجنبية منطق حصر السلاح بيد الدولة، معتبرين أن الانتقال إلى مرحلة جديدة من السيادة لا يمكن أن يكتمل إذا بقي قرار الحرب والسلم موزعاً بين مؤسسات الدولة وقوى مسلحة أخرى.
في المقابل، لا تؤيد الفصائل هذا الطرح، وترى أن انتهاء مهمة التحالف العسكرية لا يعني انتهاء التدخلات الخارجية، وخصوصاً الأميركية والخليجية، بل قد ينقل العراق إلى مرحلة أخرى من التدخل، وفق ما يورده النص.
ويشير النص إلى أن بوادر هذه المرحلة، بحسب هذا الطرح، تظهر من خلال الضغط الاقتصادي وتأخر الرواتب وتحريك الشارع العراقي في مظاهرات مطلبية وأحداث أمنية متفلتة.
كما يتحدث عن محاولات لإعادة الخطاب الطائفي أو استعادة فترة حكم صدام حسين والتمجيد بها، وخصوصاً على منصات التواصل الاجتماعي، معتبراً أن ذلك يفتح الباب أمام استثمار الأزمات الداخلية والاحتقان الاجتماعي للضغط على القرار العراقي.
هل يصبح العراق ساحة الضغط التالية؟
يطرح النص احتمال أن يكون العراق إحدى الأوراق التي يمكن أن تستخدمها واشنطن للضغط على طهران، في ظل ما يصفه بالاستعصاء الأميركي في مضيق هرمز وعدم القدرة على تحقيق نصر على إيران.
وفي المقابل، لا يعني خروج القوات الأميركية تلقائياً انتصاراً إيرانياً في العراق، كما لا يعني أن الفراغ الناتج عن الانسحاب ستملؤه إيران حتماً.
ويشير النص إلى أن طهران تمتلك نفوذاً سياسياً وأمنياً واجتماعياً واقتصادياً عميقاً في العراق، وأن هذا النفوذ لا يرتبط بوجود القوات الأميركية أو انسحابها. وفي الوقت نفسه، فإن انتهاء الوجود العسكري للتحالف يزيل إحدى ساحات التنافس المباشر بين واشنطن وطهران داخل العراق، وينقل التنافس إلى ساحات أخرى.
وبحسب النص، تتمثل مصلحة إيران في عراق مستقر وقريب سياسياً وأمنياً ولا يشكل منصة لتهديدها، فيما لا يعني إنهاء المهمة العسكرية بالنسبة إلى الولايات المتحدة خسارة العراق، بل الحفاظ على النفوذ من خلال “شراكة” اقتصادية وتسليحية واستخبارية، وربما استخدام العراق منصة للضغط والتأثير المستمر في المنطقة.
أما مصلحة بغداد، فتتمثل في ألّا يتحول البلد إلى منطقة نفوذ حصرية لأي طرف، وأن تتحول علاقاته الخارجية من سياسة المحاور إلى سياسة المصالح. ويضع النص ذلك أمام حكومة علي الزيدي باعتباره أحد أبرز التحديات.
ولا يرى النص أن الخطر الأكبر بعد 30 أيلول يتمثل بالضرورة في عودة “داعش” إلى المدن العراقية كما حدث في 2014، مع اختلاف المشهد الأمني اليوم، بل في احتمال أن يؤدي ضعف التوافق الداخلي والضغوط الخارجية الجديدة إلى إنتاج فراغ سياسي وأمني تستغله أطراف متعددة.
وفي حال تحولت عملية حصر السلاح إلى مواجهة داخلية، فقد تجد الدولة نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد، مع حكومة مطالبة بإثبات سيادتها أمام شعبها وأمام الفواعل الخارجيين، وفصائل تمتلك قدرات عسكرية وسياسية واجتماعية، في ظل وضع إقليمي شديد التوتر.
لذلك، يضع النص الاختبار الحقيقي في 30 أيلول عند قدرة العراقيين على إدارة اليوم التالي، بحيث تتحول نهاية المهمة الأجنبية إلى بداية مرحلة من السيادة الفعلية، لا مجرد تغيير في شكل الوجود الأجنبي.
ويحدد النص ثلاثة شروط لهذه المرحلة:
– قرار سياسي وأمني واحد وقوي ينطلق من الثوابت الوطنية.
– حل لقضية السلاح بتوافق وطني ومن دون تداعيات داخلية.
– علاقات خارجية، مع أميركا وغيرها، تقوم على المصلحة العراقية لا على الاصطفاف.
ويربط النص بين هذه الشروط، معتبراً أن قوة الدولة في الداخل تعزز قدرتها على موازنة علاقاتها في الخارج، وأن امتلاك القرار الأمني والاقتصادي يحد من قدرة الآخرين على استخدامها للضغط على الجيران.
وعندها، يمكن أن يصبح 30 أيلول تاريخاً لانتقال العراق إلى السيادة الوطنية الحقيقية. أما إذا بقيت الدولة مثقلة بالضغوط الأميركية والإقليمية وعاجزة أمامها، وغير قادرة على إيجاد حلول وطنية لملفات السلاح وغيرها، فإن انتهاء مهمة التحالف لن ينهي المشكلة، بل سينقلها إلى الداخل.
تابعنا عبر Google
اجعل صدى الضاحية مصدرك المفضّل على Google
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




