تنبّه الدراسة التي أعدّها الوزير السابق شربل نحاس بعنوان “لبنان: الهجرات والأزمات؛ الأرض، السكان، الدولة؟”، إلى أن إن أكبر خسارة للبنان ليست فقط خسارة الأموال أو المباني، بل خسارة البشر.
فحتى لو توفرت مليارات الدولارات لإعادة الإعمار بعد إنتهاء الحرب الحالية، فإن نجاح خطة الاعمار يتوقف على وجود من يبقى في لبنان ليبني، ويُنتج، ويُدرّس، ويُعالج، ويُدير المؤسسات، لذلك يرى أن هجرة الكفاءات منذ بداية الأزمة المالية و حتى اليوم ،قد تكون التحدي الأكبر أمام تعافي البلاد في السنوات المقبلة.
حول الهجرة والأزمة وتغيرات البنية الديموغرافية في لبنان، نُشرت ضمن إطار المؤسسة اللبنانية للمواطنة، وشددّت على أنها ليست دراسة هجرة فقط بل دراسة عن “مصير المجتمع”، لأن الأزمة اللبنانية (برأيه) لم تعد أزمة مالية فقط، بل أصبحت أزمة قدرة المجتمع على الاستمرار، فهو يرى أن لبنان تاريخيًا كان بلدًا يصدّر البشر والمهارات، لكن بعد 2019 إنتقلت الهجرة من ظاهرة إقتصادية مُعتادة إلى نزيف ديموغرافي واسع.
أبرز نتائج الدراسة هي التالية :
أولا :بالاستناد إلى بيانات عبور الحدود الصادرة عن الأمن العام اللبناني، تبين أن عدد اللبنانيين الذين غادروا البلاد ولم يعودوا بين كانون الثاني 2020 ونيسان 2026 بلغ 729,062 شخصاً.أي بعد 6 سنوات على بداية الأزمة المالية غادر ما يعادل 20 بالمئة من اللبنانيين البلاد بصورة نهائية.
ثانيا: الهجرة سِمة بنيوية في الاقتصاد السياسي اللبناني، الذي يصدّر الناس والمهارات، ثم يعتمد على التحويلات المالية التي يرسلونها من الخارج. لكن بعد انهيار 2019، تسارعت الهجرة على نحو هائل من حيث الوتيرة والحجم.
ثالثا-بلغ صافي خروج اللبنانيين 185,581 شخصاً بين عامي 2014 و2019. أما بين كانون الثاني 2020 ونيسان 2026، فقد بلغ 729,062 شخصاً، أي إن صافي الهجرة إلى الخارج ازداد نحو 4 أضعاف خلال فترة أطول بقليل.
رابعا: يكشف التسلسل السنوي أن الهجرة حدثت في موجات متكررة. ففي عام 2020، بلغ صافي الخروج 7,793 شخصاً، حين كبحت قيود جائحة كوفيد-19 حركة السفر. أما السنوات الثلاث التي شهدت أكبر موجات هجرة فكانت 2021 و2023 و2024، وقد أنتجت مجتمعة 75 بالمئة من إجمالي صافي الخروج بعد الانهيار.
خامسا: أخفت إغلاقات الاقتصاد والنقل بسبب الجائحة في عام 2020 الآثار المباشرة للإنهيار المالي، واحتجاز الودائع، وانفجار مرفأ بيروت.
وعندما أُعيد فتح الاقتصادات وعودة نشاطات السفر في عام 2021، تبلورت قرارات المغادرة المؤجلة في ظل انهيار الأجور، ورفع الدعم، ونقص الوقود، وانقطاع الكهرباء، وهي أعباء اضطرت الأسر إلى تعويضها عبر إنفاق متصاعد من مدخراتها.
خامسا: بحلول عامي 2023 و2024، كانت الخسائر المصرفية غير المعالجة، والتدهور الاقتصادي المستمر، واندلاع الحرب بين إسرائيل ولبنان في 8 تشرين الأول 2023، قد بددت آمال التعافي وزادت المخاوف من تصعيد العدوان الإسرائيلي. وقد سجّل هذان العامان عجزين شبه متطابقين في حركة الهجرة، إذ واصل تراكم الأضرار دفع الناس إلى مغادرة البلاد.
سادسا: فكّك الإنهيار الأسس المادية التي كانت تسمح للأسر بالبقاء. أصبحت المدخرات غير قابلة للوصول، وخسرت الأجور معظم قدرتها الشرائية، وانهارت خدمات أساسية مثل الكهرباء والرعاية الصحية والنقل والتعليم، قبل أن تعود متاحة بكلفة باهظة وعبر القطاع الخاص.
سابعا: بحسب البنك الدولي، عمدت السلطات اللبنانية إلى تعميق الانكماش الاقتصادي وإطالة أمده بصورة متعمدة. وقد خفّض تراجع فرص العمل الكلفة البديلة للمغادرة، إذ أصبحت حتى الوظائف منخفضة الأجر في الخارج أكثر جاذبية من البطالة في الداخل. وبحسب منظمة العمل الدولية وإدارة الإحصاء المركزي في لبنان، ارتفع معدل البطالة من 11.4 بالمئة في عامي 2018 و2019 إلى 29.6 بالمئة في كانون الثاني 2022، فيما بلغت بطالة الشباب 47.8 بالمئة .
ثامنا: تحصر السلطات خطابها بالحرب بوصفها أصل جميع مشكلات لبنان، لكن تبقى الأزمة الاقتصادية المحرّك الأساسي للهجرة. ففي استطلاع أجراه «اراب بارومتر» عام 2024، صرح 38 بالمئة من المستطلعين إنهم يفكرون في الهجرة، وذكر 72 بالمئة منهم أن دوافعهم اقتصادية.
تاسعا: عَلِق لبنان في حلقة مفرغة من خسارة السكان بسبب الهجرة التي تزيد اعتماده على العملات الأجنبية التي يرسلونها. وقد بلغت تحويلات المغتربين 6.6 مليارات دولار في عام 2023، أي ما يعادل نحو 33 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. ولا تتوزع هذه التحويلات بالتساوي، إذ تبيّن أن الأسر الأعلى دخلا تستفيد من الحصة الأكبر منها. وتتدفق هذه الأموال داخل الاقتصاد عبر الاستهلاك والطلب على السلع المستوردة.
عاشرا:انكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنحو 40 بالمئة بين عامي 2019 و2025، ومن المتوقع أن ينكمش بنسبة إضافية تتراوح بين 7 بالمئة و10 بالمئة في عام 2026. كما وجد البنك الدولي أن الاستثمار تراجع من متوسط بلغ 25.9 بالمئة، من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بين عامي 2011 و2018 إلى 6.1 بالمئة فقط من الناتج المحلي الإجمالي بين عامي 2019 و2023. وبينما تتحدث الحكومة عن تبدية الأمن وجذب الاستثمارات مقابل تنازلات سياسية، يبقى السؤال: أي قوة عاملة ستجعل هذه الاستثمارات ممكنة؟
حادي عشر: لا تكشف بيانات الأمن العام أعمار الذين غادروا أو مهنهم. لكن من المنطقي الافتراض أن نسبة كبيرة من 729,062 مهاجر كانوا من الشباب أو أصحاب المهارات العالية، لأنهم الأقدر على العثور على فرص عمل في الخارج وتأمين شروط المغادرة.
ثاني عشر: إعادة الإعمار ليست مسألة مال فقط، بل مسألة من سيبقى لمعالجة المرضى، وتعليم الطلاب، وبناء البنية التحتية، وإدارة المؤسسات، والعمل في الإنتاج. كان النظام اللبناني سعيداً بمشاهدة هؤلاء يغادرون، بل يتباهى أحياناً بانتشار اللبنانيين في الخارج. لكن التبديد القسري للسكان اللبنانيين سيثبت أنه العقبة الأصعب أمام إعادة الإعمار، وربما أكثر صعوبة من التعامل مع الاضطرابات الجيوسياسية في المنطقة أو الوصول إلى التمويل.
ثالث عشر : بسبب غياب إحصاء رسمي حديث للسكان والمهاجرين، إعتمد نحاس على بيانات حركة الدخول والخروج، الدراسات السكانية المتوفرة، تقديرات المؤسسات الدولية والأبحاث السابقة. وتشير الدراسة إلى أن لبنان يعاني من نقص كبير في البيانات السكانية، ما يجعل أي تقدير للهجرة يعتمد على التحليل والاستنتاج وليس على تعداد شامل.
رابع عشر: يميز نحاس بين موجات الهجرة القديمة والهجرة الحديثة، فالهجرات القديمة كانت غالبًا مرتبطة بالفقر والبحث عن فرص. أما الهجرة الحديثة بعد الحرب الأهلية ثم بعد 2019 أصبحت أكثر ارتباطًا بـ هجرة المتعلمين وأصحاب الاختصاصات (brain drain)، ويعتبر أن خسارة الطبيب والمهندس والباحث وصاحب المهارة ليست مجرد خسارة فرد، بل خسارة استثمار تعليمي وإنتاجي يحتاج سنوات لتعويضه.
خامس عشر: المفارقة التي يطرحها نحاس أن لبنان يستفيد من المغتربين عبر التحويلات المالية، لكن الدراسة تقول إن الاعتماد على هذه التحويلات قد يخفي مشكلة أعمق، فالمهاجر يرسل أموالًا لعائلته، هذه الأموال تساعد على الاستهلاك ودفع الفواتير، لكنها لا تعني بالضرورة خلق اقتصاد منتج داخل لبنان، أي أن البلد يحصل على “أموال من الخارج” لكنه يخسر “قدرة على الإنتاج في الداخل”.
سادس عشر: تحذّر الدراسة من أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى انخفاض عدد اللبنانيين المقيمين، وشيخوخة المجتمع، وضعف سوق العمل، و صعوبة جذب الاستثمارات، لأن المستثمر يحتاج إلى قوة عاملة ومؤسسات قادرة على العمل.