حين انطلقت «عملية الغضب الملحمي» في أواخر شباط الماضي، كانت الوعود المقطوعة من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل، جازمة بسقوط النظام في إيران خلال أيام، وإنهاء برنامج طهران النووي بضربة حاسمة.
غير أن الأيام المعدودات تحوّلت إلى خمسة أشهر، من دون أن يتحقّق شيء من تلك الوعود؛ فالنظام أعاد ترتيب صفوفه ولا يزال قائماً وفاعلاً، ومضيق هرمز الذي كان مفتوحاً أمام الملاحة أضحى مُغلقاً، فيما القيادة التي كان يُفترض أن تستسلم، لم تتردّد في قصف القواعد الأميركية بصواريخ باليستية حتى بعد ساعات فقط من لقاء الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الثامن في البيت الأبيض.
هذه هي الصورة التي رافقت نتنياهو إلى واشنطن؛ صورة حرب استنزاف لا تلوح نهاية لها في الأفق، فيما يبحث ترامب، الذي كان أقنعه نتنياهو بأن «الوقت مناسب للهجوم»، عن مخرج منها.
وفي وقت تتعزّز فيه قناعة الناخب الأميركي الوسطي الذي سيحسم مصير «الكونغرس» في تشرين الثاني، بأن ما يجري لا يخدم مصلحة بلاده، بل يجرّ عليها تبعات ليس أقلّها ارتفاع أسعار الوقود، بدت زيارة نتنياهو محاولة لتقديم كشف حساب من رجل يعرف أن مُضيفه وإدارته يحمّلانه مسؤولية الفشل، وأن كلّ تنازل يقدّمه سيُستخدم ضدّه في انتخابات إسرائيلية تنتظره خلال أقلّ من ثلاثة أشهر.
أمّا المُضيف فيدرك أن كلّ تساهل يبديه سيُفسَّر ضعفاً أمام قاعدته، وأن نتنياهو ما زال يحاول جرّه إلى خيارات لا تخدم المصلحة الأميركية، وهو ما يفسّر قوله إن الأخير يريد من عرض ما يقول إنها «معلومات استخبارية» عن موقع «جبل الفأس» الإيراني، «أن أبقى متورّطاً ومشاركاً».
وهكذا، فإن الزيارة التي لم تتمّ إلّا بعد أن دفع نتنياهو ثمنها مُسبقاً، بالموافقة على دخول «قوة الاستقرار الدولية» إلى غزة، حملت في جوهرها هدفاً إسرائيلياً دفاعياً بامتياز، وهو إثبات أن نتنياهو لا يسعى لتوريط الولايات المتحدة في حرب لا تريدها، وأنه ليس «الرجل الذي يجرّ ترامب إلى المعارك»؛ وهذا ما عبّر عنه قوله، قبل وصوله إلى واشنطن، في مقابلة مع قناة «فوكس نيوز»، إن «القرار في النهاية هو قرار ترامب».
وإذ أراد الرجل أن يبعث برسالة طمأنة إلى الإدارة الأميركية والقوى الإقليمية، بأنه ما زال شريكاً مقبولاً، وأن كلّ الحديث عن تحوّله إلى عنصر منبوذ في واشنطن، هو مجرّد ضجيج إعلامي، فإن رسالته إلى الداخل الإسرائيلي بدت أوضح، وهي أنه ما زال صديق ترامب، وأنه القادر على إدارة العلاقة مع السيّد الأميركي، وليس عبئاً على المصلحة الإسرائيلية، بل حاجة إليها.
غير أن ترامب نفسه نسف هذه الرسالة قبل أن تُبثّ، حين تحدّث عن نتنياهو بصيغة الماضي قائلاً إن «بيبي كان عظيماً. كان رئيس وزراء زمن حرب»، في إشارة إلى أنه بات يتعامل مع ضيفه كصفحة طُويت.
مع ذلك، سعى نتنياهو إلى التركيز، في خلال اللقاء مع ترامب، ليس على ما تَحقّق في مواجهة إيران، بل على الاتفاق المُشترك على منعها من حيازة السلاح النووي، وهو هدف يتطابق مع رغبة ترامب ومقاربته للمواجهة الحالية.
غير أن هذا التركيز يحمل في طياته انزياحاً كاملاً عن الأهداف التي أعلنها نتنياهو نفسه مع بدء الحرب، والتي شملت الملف النووي، والصواريخ الباليستية، وحلفاء إيران في الإقليم، بل وحتى إسقاط النظام الإيراني ذاته؛ وهي كلّها أهداف تمّ التخلّي عنها لاحقاً، فيما بقي «النووي» وحده كعنوان يمكن تسويقه لدى ترامب.
أمّا الهدف الاستراتيجي من الزيارة فهو الاستطلاع؛ إذ أراد رئيس الوزراء الإسرائيلي أن يعرف إلى أين يسير الرئيس الأميركي في المواجهة مع إيران، وما هي خياراته وسقوفها ومُحدّداتها؛ كما يريد أن يتأكّد من أن التنسيق المُسبق قائم، وأن إسرائيل ستُبلَّغ بالخطط الأميركية قبل تنفيذها، كي لا تجد نفسها على هامش قرارات تمسّ أمنها المباشر.
على أيّ حال، فإن الزيارة، رغم أهميتها القصوى بالنسبة إلى إسرائيل، لن تكون المحطّة الحاسمة التي ستغيّر مسار المواجهة؛ فالذي يليها لن يكون مختلفاً جذرياً عمّا سبقها، بل هو استكمال لمسار قائم.
وبالنتيجة، فهي زيارة استكشافية بالدرجة الأولى، يهدف نتنياهو من خلالها إلى فهم ما يريده ترامب حقاً في ظلّ تراجع تأثيره عليه، وضمان ألّا تُصنع القرارات الكبرى من دون علم إسرائيل بها.