إعلان العار: من التخلي عن الجنوب إلى تحميل المقاومــة مسؤولية الحرب
مقالات

إعلان العار: من التخلي عن الجنوب إلى تحميل المقاومــة مسؤولية الحرب

06/06/202607:57:01

قراءة البيان الصادر عن الاجتماع بين وفد السلطة في لبنان مع وفد العدو بحضور الجانب الأميركي، توجب البحث في بنوده المعلنة، واللحظة السياسية التي وُلد فيها، والمسار الذي سبقه والتحولات التي أعادت تشكيل البيئة الاستراتيجية التي يعمل ضمنها جميع الأطراف.

فالاتفاق جاء في مرحلة شهدت سقوط رهانات كبرى، وتبدل حسابات إقليمية، وتصاعد مخاطر الانزلاق إلى مواجهة أوسع كانت تهدد بإعادة إشعال الحرب الإقليمية من بوابة لبنان.

السؤال الأهم، هو هل تمت صياغة بنود هذا الإعلان انطلاقاً من فرضية أن المقاومة ستقبل بها وتتعامل معها بوصفها أساساً لتسوية جديدة، أم أن الجهات التي وضعتها كانت تدرك مسبقاً أن شروطها غير قابلة للقبول، لكنها أرادت توظيفها سياسياً وإعلامياً لأهداف أخرى؟

الإجابة تسمح بفهم خلفيات الاتفاق وسياقه، وتكشف طبيعة الصراع الذي يدور حول لبنان ومستقبله، وتساعد على فهم ما إذا كنا نتجه صوب تسوية مستقرة أم نحن أمام محطة جديدة في مسار مواجهة لم تصل بعد إلى نهاياتها بعد؟

لم يأتِ الاتفاق المطروح اليوم في لبنان من فراغ، بل هو تتويج لمسار طويل من التقديرات والرهانات التي سادت لدى الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض القوى اللبنانية منذ اندلاع الحرب.

وهي تقديرات انطلقت من فرضية أن حزب الله وإيران يعيشان في أضعف مراحلهما، وأن الظروف مؤاتية لإحداث تغيير جذري في معادلات القوة التي حكمت لبنان والمنطقة خلال العقود الماضية.

لذلك، لم تكن الحرب مجرد عملية عسكرية محدودة، بل بهدف إخراج حزب الله من المعادلة السياسية والأمنية اللبنانية، بالتوازي مع إخضاع إيران أو إضعافها بصورة تسمح بالتفرغ لاحقاً للساحة اللبنانية.

غير أن مسار الحرب أظهر نتائج مغايرة لكثير من تلك التوقعات. فبدلاً من انهيار إيران أو تراجع دورها الإقليمي، فقد باتت لاعباً أكثر حضوراً وتأثيراً في المشهد الإقليمي. كما أن العدوان الإسرائيلي لا ينهي دور حزب الله أو يشل قدرته على التأثير، بل ظهر الحزب بقدرة على مواصلة الاستنزاف العسكري وفرض كلفة متزايدة على جيش الاحتلال ومستوطنيه.

ومع ذلك، استمرت محاولات الاستثمار السياسي في نتائج الحرب. فتوقُّف إطلاق النار مع إيران، كان يشمل لبنان، لكن واشنطن تبنت المقاربة الإسرائيلية التي تركز على فصل المسارين الإيراني واللبناني للاستفراد بلبنان ومقاومته.

ثم جاءت التطورات اللاحقة، بما فيها التصعيد الإسرائيلي الواسع الذي بدأ بـ«الأربعاء الأسود» لتؤكد أن هناك من يريد إعادة صياغة شروطه لمصلحة إسرائيل.

إلا أن هذا المسار واجه بدوره متغيرات جديدة. فقد أدى القرار الإيراني بإغلاق مضيق هرمز، إلى صب تأثير العامل الإقليمي في المواجهة لمصلحة لبنان، قبل أن تنتهي الاتصالات غير المعلنة إلى تحييد الضاحية الجنوبية وبيروت عن ساحة الحرب المباشرة. ومع ذلك استمرت المواجهة في الجنوب بوتيرة متصاعدة، ورفعت المقاومة من المستوى الكمي والنوعي لعملياتها موقعة الخسائر الكبيرة في صفوف جيش العدو، بالتوازي مع توسع نطاق الردود التي طالت عمقاً أكبر داخل الأراضي المحتلة. ومع مرور الوقت بدأت الكلفة السياسية والعسكرية للحرب تتراكم داخل إسرائيل نفسها، ما أدى إلى تصاعد الضغوط على حكومة بنيامين نتنياهو لإيجاد مخرج من المأزق القائم.

اللحظة المفصلية كانت بإعلان نتنياهو نيته توسيع الحرب لتشمل بيروت والضاحية الجنوبية. وهنا لم يعد الأمر يتعلق بسقف العمليات العسكرية فحسب، بل بإعادة رسم حدود الصراع واحتمالات توسعه. وفي هذا السياق جاء موقف إيران الحاسم بأنها سترد عسكرياً على استهداف الضاحية عبر ضرب أهداف في شمال فلسطين المحتلة. وهذا ليس مجرد تهديد عسكري إضافي، بل إعلان سياسي واضح بأن أي تصعيد ضد الضاحية قد يفتح الباب أمام انخراط إيراني مباشر ويهدد بإعادة المنطقة إلى مسار الحرب الإقليمية الشاملة.

هل افترض واضعو الإعلان أن الحرب تجري لمصلحة إسرائيل، وأن حزب الله ومعه إيران في وضع ضعيف حتى يقبلا بهذه الشروط؟

في هذه النقطة تحديداً، برز العامل الأميركي بصورة أكثر وضوحاً. فواشنطن بدت واضحة في أنها لم تكن معنية فقط بأمن إسرائيل، بل كانت تنظر أيضاً إلى تداعيات انفجار إقليمي جديد على المفاوضات مع إيران، وعلى استقرار أسواق الطاقة العالمية والاقتصاد الدولي. وهذا ما يفسر ضغوط الرئيس الأميركي دونالد ترامب على نتنياهو والدفع نحو صيغة لوقف إطلاق النار تحول دون الانزلاق إلى مواجهة أوسع.

المفارقة، أنه كان من شأن هذه التحولات أن تمنح لبنان الرسمي هامشاً تفاوضياً أوسع مما كان متاحاً في المراحل السابقة، إلا أن المسار الذي سلكته السلطة جاء في اتجاه مختلف. وبدلاً من الاستثمار في التحولات التي فرضتها الوقائع الميدانية، ظهر وكأن لبنان الرسمي ينتقل تدريجياً إلى موقع الشريك في مشروع إعادة هندسة التوازنات الداخلية والخارجية وفق الرؤية الأميركية والإسرائيلية. وهو ما ظهر في البنود التي تضمنها البيان.

حيث تضمن وقف إطلاق النار بوصفه التزاماً يفرض على حزب الله وقف عملياته لا وقف عدوان الجيش الإسرائيلي. ثم الربط بين الاتفاق وإخراج عناصر الحزب من جنوب الليطاني، وهو ما يعني إخراج سكان القرى والبلدات الواقعة في تلك المنطقة. بينما ترك لجيش العدو أن يبقى في مناطق يعتبرها «أمنية»، ومنع عودة سكانها إليها، والأهم من ذلك احتفاظ إسرائيل، وفق التصور المعلن، بحرية تنفيذ ضربات عسكرية داخل لبنان، بما في ذلك بيروت، تحت عنوان الرد على أي هجمات تستهدف الشمال.
وهذا ما يعيدنا إلى السؤال المركزي: هل كانت الجهات التي صاغت هذه الترتيبات تعتقد فعلاً أن المقاومة قد توافق عليها وتقبل بها، أم أنها كانت تدرك مسبقاً أن مثل هذه الشروط غير قابلة للقبول، لكنها صاغتها رغم ذلك لأهداف سياسية أخرى؟

إذا كانت الفرضية الأولى صحيحة، فهذا يعني أن صناع القرار يعتقدون أن موازين القوى قد تبدلت إلى درجة تسمح بفرض شروط استراتيجية على المقاومة لم يكن ممكناً فرضها سابقاً. أما إذا كانت الفرضية الثانية هي الأقرب إلى الواقع، فإن معنى ذلك أن الاتفاق لم يُصغ أساساً باعتباره إطاراً قابلاً للتنفيذ، بل باعتباره أداة سياسية وإعلامية تهدف إلى تحميل الطرف الآخر مسؤولية رفضه، وتوفير غطاء لمراحل لاحقة من الضغوط أو التصعيد أو إعادة تشكيل المشهد الداخلي اللبناني.

وهنا يبدأ النقاش حول دلالات الاتفاق ورسائله، ليس فقط تجاه المقاومة، بل أيضاً تجاه لبنان ومستقبل توازناته الداخلية وموقعه في الصراع الإقليمي الأوسع. والإجابة عن أي من الفرضيتين هي الأقرب إلى الواقع قد تكشف الكثير عن طبيعة المرحلة المقبلة. وهنا تكمن خطورة إعلان واشنطن لجهة أنه لا يطرح تسوية متوازنة، بقدر ما ينتج معادلة إكراه سياسي: فهو يدفع المقاومة إلى الاختيار بين القبول بترتيبات تمسّ جوهر دورها في الدفاع عن الجنوب، أو رفضها بما يتيح للولايات المتحدة وإسرائيل والسلطة اللبنانية تحميلها مسؤولية استمرار الحرب. وبذلك يتحول الاتفاق من آلية لوقف العدوان إلى أداة لإعادة توزيع المسؤولية عنه.

علي حيدر-الاخبار

من نحن

موقع لبناني يغطي الأحداث السياسية والإقتصادية والأمنية في لبنان والعالم

Powered by KSupport24
يوتيوب
Loading video...