في كل دول العالم، يُفترض أن تمنح الانتخابات الفائزين شرعية سياسية لا يحق لأحد مصادرتها. أما في لبنان، فيبدو أن بعض النواب يحتاجون إلى ما هو أكثر من أصوات الناس كي يصبحوا “مقبولين” دولياً.
ومن هذا الباب، جاءت العقوبات الأميركية على نواب من “حزب الله” لتفتح مواجهة سياسية تتجاوز الأسماء المستهدفة، نحو سؤال أعمق يتعلق بسيادة القرار اللبناني وحدود التدخل الخارجي في خيارات الناخبين.
فحين تفرض واشنطن عقوبات على شخصيات وصلت إلى المجلس النيابي بتمثيل شعبي مباشر، يتحول النقاش تلقائياً من مسألة “عقوبات” إلى سؤال أكبر يتعلق بمعنى الديمقراطية وحدود التدخل الخارجي في القرار اللبناني. إذ كيف يمكن لدولة ترفع شعار الدفاع عن الحريات وحق الشعوب في اختيار ممثليها، أن تتعامل مع نتائج الانتخابات اللبنانية وكأنها قابلة للقبول أو الرفض بحسب هوية الفائزين؟
الإدارة الأميركية تبرر خطواتها بأنها تستهدف شخصيات تعتبرها “جزءاً من بنية نفوذ حزب الله” داخل الدولة اللبنانية، وتقول إن “الهدف هو ممارسة الضغط السياسي والمالي للحد من نفوذ الحزب داخل المؤسسات”. لكن في المقابل، يرى كثيرون أن ما يحصل يتجاوز إطار الضغط التقليدي، ليصل إلى محاولة رسم حدود الحياة السياسية اللبنانية من الخارج.
وتزداد حساسية هذه العقوبات عندما تطال شخصيات تؤدي أدواراً سياسية داخل مؤسسات الدولة نفسها، كما هو حال النائب حسن فضل الله، الذي يُعد من أبرز الشخصيات المكلفة بملف التواصل السياسي مع رئاسة الجمهورية.
وهنا، تصبح الرسالة الأميركية أكثر تعقيداً، لأنها لا تبدو موجهة إلى الحزب وحده، بل أيضاً إلى طبيعة العلاقة التي يمكن أن تقيمها الدولة اللبنانية مع مكوّن سياسي موجود داخل البرلمان والحكومة منذ سنوات.
ولا تتوقف خطورة هذا المسار عند حدود استهداف نواب منتخبين فقط، بل تتصاعد المخاوف من أن تتوسع دائرة العقوبات مستقبلاً لتشمل مسؤولين وضباطاً داخل مؤسسات الدولة اللبنانية، تحت عناوين تتعلق بالتنسيق أو التواصل أو حتى بالتقاطع السياسي مع “حزب الله”. وهنا، يصبح الأمر أكثر حساسية، لأن أي عقوبات من هذا النوع لن تُقرأ باعتبارها ضغطاً على الحزب فحسب، بل كاستهداف مباشر لمؤسسات الدولة نفسها، وخصوصاً المؤسسات الأمنية والعسكرية التي يفترض أن تبقى خارج التجاذبات الدولية.
كما أن إدراج ضباط أو مسؤولين رسميين على لوائح العقوبات قد يفتح الباب أمام أزمة ثقة داخلية وخارجية تطال بنية الدولة اللبنانية، ويضع المؤسسات الرسمية أمام ضغوط غير مسبوقة، سواء على مستوى التعاون الدولي أو على مستوى التوازنات السياسية الداخلية. فحين يصبح موظف أو ضابط في الدولة مهدداً بالعقوبات بسبب طبيعة موقعه أو طبيعة التواصل المفروض عليه بحكم وظيفته، تتحول العقوبات من أداة سياسية إلى وسيلة تأثير مباشرة على عمل الدولة نفسها.
وفي العمق، تحمل العقوبات رسالة واضحة مفادها أن واشنطن لا تنظر إلى مشاركة “حزب الله” في المؤسسات بوصفها عاملاً كافياً لمنحه شرعية سياسية دولية، حتى لو جاء هذا الحضور عبر الانتخابات. بمعنى آخر، فإن دخول الحزب إلى البرلمان أو الحكومة لا يبدل في طريقة التعاطي الأميركي معه، ولا يخفف من سياسة الضغط المفروضة عليه وعلى الشخصيات المرتبطة به.
كما تعكس هذه الخطوات محاولة أميركية لإبقاء الساحة اللبنانية تحت سقف سياسي محدد، خصوصاً في ظل المرحلة الإقليمية الحساسة التي تعيشها المنطقة بعد الحرب في غزة والتوترات المستمرة على الجبهة الجنوبية. فواشنطن، إلى جانب إسرائيل، تسعى إلى تقليص نفوذ الحزب داخل مؤسسات الدولة، ليس فقط عسكرياً أو أمنياً، بل سياسياً أيضاً.
لكن في المقابل، يفتح هذا المسار الباب أمام تناقض واضح في الخطاب الأميركي نفسه. فالولايات المتحدة تدعو باستمرار إلى دعم مؤسسات الدولة اللبنانية وتعزيز دور البرلمان والحكومة، لكنها في الوقت نفسه تعاقب نواباً يعملون تحت سقف هذه المؤسسات ويتمتعون بتمثيل شعبي واضح. وهذا ما يدفع إلى التساؤل: هل المشكلة في وجود السلاح فقط، أم في الخيارات السياسية التي ينتجها جزء من اللبنانيين عبر صناديق الاقتراع؟
الأكيد أن العقوبات الأميركية لم تعد مجرد وسيلة مالية للضغط، بل تحولت إلى أداة سياسية مباشرة للتأثير في شكل الحياة السياسية اللبنانية ومسارها.
غير أن خطورة هذا النهج تكمن في أنه يضع مفهوم الديمقراطية نفسه أمام اختبار حقيقي: فإما أن تُحترم نتائج الانتخابات مهما كانت هوية الفائزين، أو أن تتحول الديمقراطية إلى مفهوم انتقائي يُعترف به فقط عندما يخدم المصالح الدولية.
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




