مقالات
89% من اللبنانيين يرفضون التطبيع مع العدوّ

في مسحٍ ميداني يعكس نبض الشارع اللبناني وتوجّهاته، اعتبرت غالبية كاسحة من اللبنانيين أن سياسات الكيان “الإسرائيلي” والولايات المتحدة تهدّد أمن المنطقة واستقرارها. وأظهرت نتائج الدورة التاسعة من استطلاع “المؤشر العربي 2025″، الصادر عن “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات”، ثبات الموقف المعادي لـ”إسرائيل” لدى غالبية اللبنانيين ورفضهم للتطبيع معها، رغم إقرارهم بخسارة الحرب الأخيرة.
وأجمع اللبنانيون بنسبة 97% على أن سياسات “إسرائيل” تهدّد أمن المنطقة واستقرارها، تليها السياسات الأميركية بنسبة 88%، في تعبيرٍ واضح عن عمق الريبة من الدور الأميركي في الشرق الأوسط. كما اعتبر المستجيبون أن “إسرائيل” (46%) والولايات المتحدة (33%) هما أكبر مصدريْن للتهديد المباشر لأمن الوطن العربي. واعتبر 67% من اللبنانيين أن القضية الفلسطينية قضية عربية جامعة، مقابل 29% يرونها قضية فلسطينية فقط، و3% لا يوافقون على الطرحيْن.
وكشف الاستطلاع عن معارضة واسعة للتطبيع مع “إسرائيل”، إذ رفض 89% من اللبنانيين الاعتراف بها استنادًا إلى اعتبارها دولة استعمارية وعنصرية وتوسّعية، مقابل 9% يؤيّدون التطبيع و2% امتنعوا عن الإجابة. لكن اللافت أن لبنان حلّ في المرتبة الثانية عربيًا، بعد مصر، من حيث نسب التأييد للتطبيع، حيث عبّر 12% من المصريين و9% من اللبنانيين عن تأييدهم، مقابل نسب أدنى في 13 دولة أخرى شملها الاستطلاع.
وأظهرت النتائج أن عدوان أيلول 2024 ترك انعكاسات قاسية على المجتمع اللبناني؛ إذ رأى 59% من اللبنانيين أن نتيجته كانت هزيمة، مقابل 38% اعتبروها انتصارًا. كما سجّل المؤشر مستويات مرتفعة من الضغط النفسي والتوتّر والغضب تجاه “إسرائيل” راوحت بين 91% و99%. وفي المقابل، أفاد 56% من اللبنانيين بأن نظرتهم إلى الجيش اللبناني أصبحت “أكثر إيجابية” مما كانت عليه قبل الحرب الأخيرة.
وفي قراءةٍ للأرقام، رأى الدكتور في كلية العلوم السياسية في جامعة القدّيس يوسف وسام سعادة أن “الاستطلاع، في معطياته الرئيسية، لم يكن مفاجئًا بقدر ما عكس الواقع بعيدًا عما تروّجه الحملات الإعلامية. فمع أن الرأي العام الغالب (59%) لا يقلّل من وقع الهزيمة في الحرب “الإسرائيلية” الأخيرة، إلا أن ذلك لم يدفعه إلى تبديل قناعاته تجاه “إسرائيل”، ما يدلّ على أن المزاج العدائي لها في لبنان لم يتعرّض لاهتزاز، رغم الخلاف السياسي الكبير حول كيفية إدارة المواجهة وحساب الكلفة”.
وتوقّف سعادة عند نسب التأييد للتطبيع، مشيرًا إلى دلالة تسجيل لبنان نسبة أعلى من دول ليست على تماس مباشر مع “إسرائيل”، مثل المغرب (5% يؤيّدون التطبيع)، ليخلص إلى أن “موقف بعض المؤيّدين للتطبيع يرتبط بمعارضتهم لحزب الله، فيما يستند موقف البعض الآخر إلى خلفيات ثقافية، وهذه الشريحة نجدها في طوائف بنسب أعلى من طوائف أخرى”. ويضيف: “صحيح أن نسبة 9% المؤيّدة للتطبيع تبقى أقلية، لكنّها تمثّل عُشر الشعب اللبناني الذي يُفترض أنه أنهى الحرب الأهلية على إجماع حول العداء لـ”إسرائيل” ورفض التوطين…”.
وفي هذا السياق، يعرّج سعادة على المسألة الفلسطينية، التي أثبتت الأرقام مجدّدًا “محوريتها في تقييم السياسات والمواقف لدى أكثرية شعبية في لبنان”. أمّا ارتفاع أسهم الجيش اللبناني، فيُعيده إلى أداء المؤسسة العسكرية، التي “توازن بين تطبيق مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، وعدم الانزلاق إلى تصادم داخلي، ولا سيما مع حزب الله وبيئته”، ما يجعل شريحة واسعة من اللبنانيين، على اختلاف تموضعاتهم السياسية، مرتاحة إلى هذا المشهد.
88% يعتبرون أن سياسات الولايات المتحدة تهدّد الأمن العربي
وفي ما يتعلق بتقييم سياسات الولايات المتحدة في المنطقة العربية عمومًا، وتجاه فلسطين خصوصًا، يُظهِر الرأي العام اللبناني تقييمًا سلبيًا واضحًا، إذ رفض 88% هذه السياسات، ورفض 56% مقولة إن الولايات المتحدة تحمي حقوق الإنسان. كما رأى 37% أن تغيير السياسات الأميركية تجاه فلسطين (كوقف الدعم المالي والعسكري لإسرائيل) من شأنه تحسين نظرتهم إلى الولايات المتحدة.
وربط سعادة هذه النتائج بالدور الأميركي في حربَي غزّة ولبنان بعد السابع من تشرين الأول، إضافة إلى سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي أثارت مخاوف واسعة. ولفت إلى تحوّل يجري داخل الولايات المتحدة نفسها على مستوى احترام حقوق الإنسان، معتبرًا أن ترامب أعفى نفسه خارجيًا من مسؤولية نشر الديمقراطية، حين رأى أن ثمّة دولًا “غير مؤهّلة” لتصدير الديمقراطية إليها، وهو ما تُرجم بقطع التمويل عن مشاريع حملت عناوين الديمقراطية والمناصرة، قبل أن يستحضر هذا الشعار عندما يخدمه سياسيًا، كتهديد النظام الإيراني بسبب قتل معارضيه.
وفي ما يتعلق بالشأن الداخلي، أظهر المؤشّر انقسامًا لافتًا حول طبيعة الحكم؛ فبينما أيّد 51% نظامًا يتولى فيه العسكريون السلطة، عارضه 46%. وفي المقابل، أيّد 79% النظام الديمقراطي بوصفه الخيار الأمثل، مع اعتبار اللبنانيين أن ديمقراطية بلادهم “في منتصف الطريق”، مانحين إياها تقييمًا قدره 5.8 من 10.
كذلك برزت ظاهرة “العزوف السياسي”، إذ أفاد 10% فقط بانتمائهم إلى أحزاب سياسية، فيما عبّر 40% عن عدم رغبتهم في المشاركة في الانتخابات لعدم اقتناعهم بأن المشاركة يمكن أن تُحدِث تغييرًا حقيقيًا.
وفي بلد يشهد استقطابًا حادًا، حيث يحمل النقاش العام أبعادًا وجودية وكيانية ومصيرية، يبدو العزوف السياسي ظاهرة أكثر من لافتة. ويشرح سعادة أن “اللبنانيين لديهم مواقف من كلّ شيء، لكنّهم لا ينشطون ولا يسعون لتحقيق مشروع سياسي يصرّفون عبره هذه المواقف، بل يكتفون بالتعبير عنها، انطلاقًا من شعورهم بأن آراءهم لا تُحدِث تغييرًا”. وتوقّف عند الارتفاع الملحوظ في الرغبة بمقاطعة الانتخابات، عشية استحقاق يُتداول بأنه سيكون فاصلًا في البلاد.
ثقة متدنّية بمجلس النواب
ولا يزال الفساد المالي والإداري يمثّل العقبة الكبرى أمام بناء الدولة في نظر اللبنانيين، إذ أجمع 97% منهم على انتشاره بدرجات متفاوتة. وتُظهِر البيانات التاريخية للمؤشر منذ عام 2011 أن هذه التصوّرات لم تتبدّل جذريًا، ما يعكس شعورًا شعبيًا بـ”تجذّر” الفساد في مفاصل الدولة. وقد انعكس ذلك مباشرة على الثقة بالسلطات العامة، حيث سجّل مجلس النواب اللبناني أدنى مستوى ثقة بنسبة 36%.
ولفت سعادة إلى أن مجلس النواب قبل الحرب الأهلية كان الإطار الأساسي لمأسسة الأزمات والنقاش فيها، إلا أنه بعد الحرب فقد كثيرًا من ثقله لأسباب عدة، منها الهيمنة على رئاسة المجلس، ووجود كتل نيابية تفتقر إلى شخصيات وازنة، إضافة إلى ما يصفه بـ”التجربة الفولكلورية” لنواب التغيير الذين وعدوا بصورة مختلفة لدور النائب ولم ينجحوا في تحقيقها.
الاقتصاد.. الهمّ الأول
وأفاد 42% من المستجيبين بأن المشكلات الاقتصادية، من فقر وبطالة وارتفاع في الأسعار، تمثّل التحدّي الأكبر الذي يواجه اللبنانيين اليوم.
وفي توصيفٍ مُقلِق لمستوى المعيشة، أظهرت النتائج أن 50% من الأسر تُصنَّف ضمن “أسر الكفاف”، أي إن مداخيلها بالكاد تغطي نفقاتها الأساسية من دون أي قدرة على الادّخار، فيما تعيش 26% من الأسر في حالة “حاجة وعوز”، معتمدة على المساعدات لتأمين أبسط مقوّمات الحياة.
ندى أيوب – الأخبار
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



