مقالات
زيت المحبة لا ينطفئ

في وطنٍ شَهدَ كثيرًا من الانقسامات، تبقى قصص التلاقي بين أبناء الديانات خيرَ شاهدٍ على جَذوة المحبة التي لا تنطفئ. ليست الأديانُ في جوهرها سببًا للتباعد، بل هي دعواتٌ متكرّرة للتقارب، إن أحسنّا الفهم وأخلصنا النيّة.
يُروى عن أحد الكهنة الموارنة في شمال لبنان أنه في زمن المجاعة الكبرى (1915-1918)، قصد صديقه المسلم، صاحب متجر في طرابلس، ليستدين منه بعض الحاجيات للدير. لم يطلب ضمانة، ولم يُماطل، بل قال له بثقة: “خذ ما تحتاجه، والله لا يضيّع أحدًا.”
ومضت الشهور، وعاد الكاهن ليسدّد ما عليه، فاستقبله ابن الرجل الذي أخبره أن والده قد رحل إلى رحمة الله. حاول الكاهن دفع الدين، لكن الابن رفض، لأن المبلغ سُجّل في دفتر “الزكاة”، أي أن والده اعتبره صدقة خالصة للدير.
هنا، تذوب الفوارق. لا يعود المسيحي مسيحيًا فقط، ولا المسلم مسلمًا فقط، بل يصبحان إنسانين يتقاسمان الوجع، واللقمة، والنية الطيبة.
هذه القصة وغيرها كثير من صفحات تاريخنا غير المكتوب، تبيّن أن العلاقة بين الإسلام والمسيحية في المشرق العربي لم تكن يومًا علاقة صدام حتمي، بل كانت علاقة رحم وجوار، واحترام متبادل، وكرم أخلاقي.
القرآن الكريم يُكرّم أهل الكتاب:
“وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَىٰ…”
كما أن السيد المسيح في تعاليمه قال: “طوبى لصانعي السلام، فإنهم أبناء الله يُدعون.”
فلنُصغِ لصوت هؤلاء الحكماء الذين ما خلطوا الدين بالكراهية، بل فهموه رسالة محبة، وبنوا عليه جسرًا بدل أن يحفروا به خندقًا.
إننا، في هذه الأرض التي مشى عليها أنبياء الله جميعًا، نملك كنزًا من القصص الحقيقية التي تدفعنا نحو المصالحة الروحية والوطنية، لكننا نحتاج إلى من يرويها ويؤمن بها، لا من يصنع من الدين سلاحًا أو منبرًا للشتيمة.
لقد زكّى المسلمُ للمسيحيّ زيتًا، وزكّى المسيحيّ له صلاةً. هكذا تبدأ المصالحة، وهكذا تُحفظ الأوطان.
ريما فارس
المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لموقع "صدى الضاحية" بل تمثل وجهة نظر كاتبها، و"الموقع" غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.



