مقالات

تاريخنا وحاضرنا ومستقبلنا مقاومة

كلّ شبر من أرض لبنان تعمّد بدماء مقاومين أبطال، رفضوا المذلّة والهوان، وأبوا الخضوع والاستسلام، وآثروا الموت في عزّ على الحياة في ذلّ، فثاروا في وجه المحتلّ، والمستعمر، والمنتدب، وسطّروا أروع ملاحم البطولة، والبذل، والفداء، ليحافظوا، بدمائهم الزّكيّة وأرواحهم الطّاهرة، على كلّ حبّة تراب من أرض هذا الوطن.

وإن كانت قيمةُ الأوطان تُقاس بتاريخها، فإنّ لبنان، وبكلّ فخرٍ واعتزاز، يقارع النّجوم قيمةً ورفعةً. فتاريخنا المجيد الزّاخر بالبطولات والتّضحيات، يحتّم علينا أن نتفاخر ونتباهى أمام جميع الشّعوب، وأن ننتفض في وجه كلّ من يحاول إذلالنا وإخضاعنا، حفاظًا على دماء شهدائنا وتضحيات أبطالنا، لا أن نستسلم ونتهاون في استقلالنا وسيادتنا، وأن نرضى ونقبل بالخضوع للسّفراء، وتنفيذ الإملاءات، والتّنازل عن الحقوق، والتّفريط بالكرامات، وتقديم الاعتذارات، والزّحف إلى السّفارات…

أنجب لبنان رجالات عظماء، ثاروا في وجه الظّلم والعدوان؛ ولم يتنازلوا عن أرضهم وكرامتهم؛ ولم يخشوا محتلًّا غاصبًا، أو مستعمرًا طامعًا، أو منتدبًا مستبدًّا؛ ولم يهابوا مشنقةً، أو زنزانةً، أو منفى؛ ولم يطمعوا بالمناصب، والحقائب، والكراسي؛ فدخلوا التّاريخ من بابه العريض، وأضحوا منارة لكلّ الأجيال، بوطنيّتهم، وإخلاصهم، وأمانتهم، وبطولتهم، وتضحياتهم، في سبيل أرضهم وشعبهم…

صخور نهر الكلب تخلّد انتصارات أجدادنا الأشاوس الّذين دحروا الغزاة والمحتلّين، وانتزعوا لبنان من بين أنياب الطّامعين، وناضلوا وقاوموا حتّى نيل الاستقلال وجلاء جميع الجيوش الأجنبيّة عن أرضنا.

وقرى الجنوب تخبرنا ألف حكاية وحكاية عن رجالٍ أباة هبّوا كالإعصار لتحرير أرضهم من براثن العدوّ الصّهيونيّ، ولأجل بلادهم رفعوا لواء النّصر فانتصروا، وأعادوا الجنوب إلى حضن الوطن والعروبة، فأعطوا العالم أجمع أعظم دروس الإباء، والبطولة، والصّبر، والصّمود…

وشهر تمّوز ال٢٠٠٦ يروي لنا قصص أبطال شجعان قهروا “الجيش الّذي لا يُقهَر”، وأثبتوا أنّ “إسرائيل” أوهن من بيت العنكبوت، وكانوا “النّصر الآتي” ورجال الله في الميدان، فصنعوا، بسواعدهم المباركة ودمائهم الزّكيّة، مجد لبنان وعزّة الأمّة.

والسّلسلة الشّرقيّة تشهد على بطولات مجاهدينا في معركة “فجر الجرود”، وتتغنّى بأبنائنا الأشدّاء الّذين جعلوا أجسادهم دروعًا للوطن، فحموا قرى وبلدات البقاع من خطر الجماعات التّكفيريّة، وطهّروا جرودنا من دنس الإرهاب الوهّابيّ، وكانت أنفاس شهدائنا الأخيرة بداية فجر مشرق للبنان.

استقلالنا وُلِدَ من رحم المقاومة الشّعبيّة، فهو لم يُعطَ لنا، بل أخذناه بالقوّة والنّضال. وتحرير جنوبنا من الاحتلال الصّهيونيّ وجرودنا من الإرهاب التّكفيريّ لم يُحقَّق بالحياد أو بالمؤتمرات الدّوليّة، بل بالمقاومة والصّمود. وحقوقنا لم توهَب لنا على طبق من ذهب، بل انتزعناها بقوّة سلاح المقاومة، وإرادة اللّبنانيّين الشّرفاء.

نعم، وألف نعم، إنّ تاريخنا المشرّف الحافل بالأمجاد صنعته المقاومة. وإنّ كلّ ما ننعم به في حاضرنا من قوّة وأمان هو بفضل المقاومة. ولن يكون لنا مستقبل زاهر ومزدهر إلّا بالمقاومة والمقاومة فقط.

سركيس الشّيخا الدّويهي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى