بلد على المتوسط يملك مرفأين ومطارًا ومنطقة اقتصادية، لكنه لم ينجح في بناء منظومة نقل وتجارية تجعل موقعه الجغرافي مصدر قوة؛ المشكلة ليست في البحر، بل في دولة لم تحوّل الموقع إلى سياسة.
ثمة مفارقة لبنانية يصعب تجاهلها: بلد صغير على البحر المتوسط، يقع في قلب منطقة يفترض أن تمنحه أفضلية طبيعية في التجارة والنقل، ويمتلك مرافئ ومطارًا ومنطقة اقتصادية خاصة، لكنه لم ينجح حتى الآن في تحويل هذه المقومات إلى وظيفة اقتصادية تليق بموقعه. وكأنّ لبنان ورث جغرافيته، لكنه لم ينجح في تحويلها إلى سياسة.
المشكلة، في جوهرها، ليست نقصًا في البحر أو السفن أو المنشآت، بل أن الدولة تعاملت طويلًا مع المرافئ والطرق والجمارك والنقل والسكك الحديدية باعتبارها ملفات متفرقة، فيما لا يعمل الاقتصاد الحديث بهذه الطريقة. فالميناء لا يصبح بوابة تجارية لمجرد أن السفينة ترسو فيه، والمنطقة الحرة لا تتحول إلى مركز استثماري لأن اسمها يحمل صفة «اقتصادية»، والطريق لا يصبح ممرًا تجاريًا لمجرد أنه يصل بين مدينتين. القيمة الحقيقية تظهر عندما تعمل هذه الحلقات ضمن شبكة واحدة، بإجراءات سريعة وكلفة تنافسية واستقرار يسمح للشركات بأن تبني قراراتها على المدى الطويل.
وهذا تحديدًا ما بدأ لبنان يدركه، لكن بعد سنوات طويلة من إضاعة الوقت.
ففي 6 تشرين الأول 2026 وقّع مرفآ بيروت وطرابلس في نيودلهي الإعلان المشترك لإطلاق «نادي موانئ الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا(IMEC Ports Club)»، في خطوة تستهدف تعزيز التعاون في سلاسل الإمداد وتسهيل التجارة والرقمنة والطاقة. كما كانت الحكومة قد ناقشت في شباط جدوى دمج المرفأين ضمن هذا الممر الذي يقوم على تكامل بحري وسككي لربط الهند بأوروبا عبر الشرق الأوسط والبحر المتوسط. لكن الاحتفال بالمبادرات لا يحجب السؤال الأساسي: هل يستفيد لبنان من موقعه، أم يكتفي بامتلاكه؟
مرفأ بيروت يستعيد جزءًا مهمًا من نشاطه. ففي 11 أيلول 2026 انطلقت أعمال توسعة محطة الحاويات باستثمار يبلغ 100 مليون دولار من شركة CMA CGM، بهدف رفع القدرة الاستيعابية من نحو 1.2 مليون إلى 3 ملايين حاوية نمطية سنويًا، مع زيادة مساحة الساحات من 45 إلى نحو 75 هكتارًا. كما سجل المرفأ خلال 2025 ارتفاعًا في حركة الحاويات بعد سنوات صعبة.
لكن الاستثمار الخاص لا يستطيع وحده أن يبني البيئة التي تجعل هذه القدرة ذات قيمة اقتصادية كاملة. فالطريق الذي ستسلكه الحاوية بعد خروجها من المرفأ مسؤولية عامة، وكذلك الجمارك والربط بالسكك والنقل والمرافئ الجافة والتخطيط المحيط. وإذا بقيت هذه الحلقات ضعيفة، فلن تنقذها زيادة عدد الرافعات أو مساحة الساحات.
ولهذا شدد رئيس الحكومة نوّاف سلام في أيلول على تطوير الطرق المؤدية إلى المرفأ، ومعالجة الاختناقات المرورية، وربطه بشبكة نقل تشمل السكك الحديدية والمرافئ الجافة، إلى جانب التكامل بين مرفأ بيروت وسائر المرافئ اللبنانية ضمن سياسة وطنية للنقل البحري.
المشكلة أن هذه الأفكار ليست جديدة، وهذه هي النقطة التي تجعل النقد أكثر قسوة: لبنان يعرف منذ سنوات ما الذي ينبغي فعله، لكنه تأخر طويلًا في فعله. والتجارة لا تنتظر. فالشركة التي تبحث عن طريق لنقل بضاعتها تقارن الزمن والكلفة والموثوقية، وإذا وجدت طريقًا أسرع وأقل تعقيدًا فلن تدفع ثمن البطء اللبناني فقط لأن بيروت أقرب على الخريطة.
وهنا يخسر لبنان من دون أن يغلق مرفأه أو تتراجع قدرته التشغيلية. يخسر لأن الدولة لم تجعل استخدامه خيارًا أفضل.
في طرابلس تظهر الفرصة والمشكلة معًا. ففي 15 أيلول 2026 جمعت الحكومة مرفأ طرابلس والمنطقة الاقتصادية الخاصة ومصلحة سكك الحديد والنقل المشترك ضمن فعالية حملت عنوان «شراكات استراتيجية، مستقبل استثماري وتنمية مستدامة». وأعلن وزير الأشغال فايز رسامني هدف الانتقال بالمرفأ من محطة محلية لمناولة البضائع إلى مركز لوجستي إقليمي على شرق المتوسط، مع العمل على ربطه بالحدود السورية عبر العبودية ومنها باتجاه حمص والشبكة الحديدية السورية.
هذه الرؤية منطقية، لكن نجاحها لا يتوقف على المرفأ وحده. المنطقة الاقتصادية تحتاج إلى إنتاج وأسواق، والمصانع إلى نقل وتمويل وطاقة، والشاحنات إلى طرق ومعابر، والجميع يحتاج إلى جمارك فعالة وقواعد مستقرة. فإذا بقيت كل حلقة تعمل وحدها، ستبقى الإمكانات أكبر من النتائج.
وهنا تتكرر مشكلة لبنانية قديمة: وفرة في المشاريع، ونقص في الرؤية التي تجمعها. فمرفأ بيروت وطرابلس لا يحتاجان بالضرورة إلى منافسة بعضهما؛ الأجدى هو توزيع الوظائف وربطهما بشبكة وطنيّة واحدة. والسكك الحديديّة لا ينبغي أن تكون مشروعًا منفصلًا عن الموانئ، كما لا يجب أن تبقى المنطقة الاقتصادية مجرد مساحة تنتظر المستثمر.
المطلوب هو بناء سلسلة قيمة متكاملة: تدخل البضاعة من البحر، وتتحرك إلى الداخل بسرعة، وتجد مكانًا للتخزين أو التصنيع، ثم تصل إلى السوق أو تعود إلى الخارج، ضمن كلفة يستطيع المنتج والمستثمر تحمّلها.
وهذا بالضبط ما كان يفترض أن تبنيه الدولة منذ زمن.
فالقطاع الخاص يستطيع أن يشتري رافعة أو يدير محطة أو يبني مستودعًا، لكنه لا يستطيع أن يقرر أين تمر الطرق، أو يعيد تشغيل شبكة السكك، أو يضع السياسة الجمركية، أو ينشئ الممرات التي تربط المرفأ بالحدود والأسواق. هذه هي الوظيفة التي لا يمكن تفويضها بالكامل إلى السوق.
المنافسة في المتوسط لم تعد بين الموانئ فقط، بل بين شبكات لوجستيّة متكاملة. وممرّات التجارة لا تختار مواقعها على أساس الجغرافيا وحدها، بل على أساس الوقت والكلفة والأمان والقدرة على التنبؤ. ولهذا فإن انخراط بيروت وطرابلس في «نادي موانئ الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا» خطوة مهمة، لكنه لا يعني أن لبنان أصبح جزءًا كاملًا من الممر؛ الإعلان الموقع في نيودلهي يوفّر إطارًا للتعاون، فيما لا يزال المشروع نفسه في مراحل التخطيط ودراسات الجدوى.
وهنا تصبح مسؤولية الدولة أكبر. فقبل أن تطلب من العالم استخدام مرافئها، عليها أن تجعل هذه المرافئ جزءًا من شبكة تستطيع الشركات الوثوق بها. وهذا يعني بنية تحتيّة قابلة للربط، وجمارك تنافسية، ونقلًا بريًا وسككيًا فعالًا، وإجراءات رقميّة، وبيئة قانونية واضحة، وقبل كل ذلك سياسة طويلة الأمد لا تتبدل بتبدل الحكومات والمشاريع.
لبنان، في المقابل، عانى من مشكلة أخرى: التعامل مع موقعه اللوجستي كفرصة موسمية لا كخيار اقتصادي دائم.
لذلك نرى توسعة في بيروت، وتطويرًا في طرابلس، وحديثًا متكررًا عن السكك والمناطق الحرة، بينما لا تزال الحلقات التي تربط هذه العناصر ببعضها أضعف من المطلوب. وفي أيلول أُرسيت مناقصة بقيمة 764 ألف دولار لإعداد الدراسات والإشراف على أعمال التأهيل والترميم والصيانة في مرفأ بيروت، بالتزامن مع أعمال ومناقصات أخرى في المرفق. لكن لبنان لا يحتاج إلى قائمة أطول من المشاريع، بل إلى جواب واضح عن سؤال أبسط: ما الوظيفة اللوجستية التي تريد الدولة أن يؤديها لبنان؟ هل يصبح منصة لإعادة التصدير؟ أم مركزًا للعبور؟ أم قاعدة للصناعات المرتبطة بالموانئ؟ أم بوابة للأسواق السوريّة والعراقيّة؟ أم حلقة في شبكة أوسع تربط آسيا بأوروبا؟
يمكن أن يجمع أكثر من وظيفة، لكن لا يمكن أن يبني كل شيء دفعة واحدة من دون ترتيب للأولويات.
وهنا يظهر غياب الدولة بمعناه الأوضح. فهي ليست غائبة لأنها لا تعلن المشاريع أو تعقد الاجتماعات، بل لأنها لم تنجح حتى الآن في جمع عناصر القوّة اللبنانية داخل سياسة اقتصاديّة واحدة. وهذا أخطر من نقص منشأة واحدة.
فقد يملك لبنان مرفأً جيدًا، لكن لا يملك شبكة نقل تناسبه. وقد يملك منطقة اقتصادية، لكن لا يملك ما يكفي من الشركات التي تستفيد منها. وقد يعيد الحديث عن السكك الحديدية، فيما يبقى التنفيذ مؤجّلًا. وقد يمتلك موقعًا ممتازًا، لكن التجارة تمر من طرق أخرى لأنّ استخدامها للبنان أكثر كلفة أو أقل موثوقية.
المأساة ليست أن لبنان يفتقر إلى المقومات. المأساة أنه يملكها متفرقة. ومن هنا فإن المعركة ليست على عدد الأرصفة ولا على حجم المرفأ فقط، بل على قدرة الدولة على تحويل الجغرافيا إلى اقتصاد، والموانئ إلى صناعة، وحركة البضائع إلى وظائف واستثمارات وإيرادات.
فالقطاع الخاص يستطيع أن يملأ الفراغ الذي تتركه الدولة لبعض الوقت، لكنه لا يستطيع أن يحل محلها في التخطيط الوطني. وإذا بقيت البنية الأساسية مجزأة، فسيجد المستثمر نفسه يعمل داخل جزر لوجستية متجاورة بدل منظومة واحدة.
قد تصل السفينة إلى بيروت أو طرابلس، وقد تخرج الحاوية من الرصيف، لكن القيمة الاقتصادية الحقيقية تبدأ بعد ذلك: عندما تصل البضاعة إلى مصنعها، أو إلى سوقها، أو إلى وجهتها الإقليمية بأسرع وقت وأقل كلفة.
لذلك فإن لبنان لا يحتاج فقط إلى مرافئ أقوى، بل إلى دولة أسرع من التجارة التي تريد جذبها.
فالممرّات الإقليمية تتغير، والاستثمارات تتحرك، والشركات تعيد رسم سلاسل الإمداد باستمرار. والبلد الذي يتأخّر في بناء بنيته أو يحسم خياراته بعد أن تحسمها المنطقة من حوله، قد يجد نفسه خارج الحسابات مهما كان موقعه مميزًا.
لبنان على البحر منذ قرون، لكنه لم يحوّل هذه الجغرافيا بعد إلى قوة اقتصادية بالحجم الذي تسمح به. والبحر لن يرحل. أما التجارة، فبإمكانها أن تختار طريقًا آخر.
لبنان يملك البحر والمرفأ والموقع… لكنه لن يملك الممر ما لم تمتلك الدولة الرؤية التي تجمع هذه العناصر، والقدرة التي تحولها إلى طريق يربح به الاقتصاد اللبناني. لذلك فإنّ السؤال المشروع هو أن لبنان على البحر… فلماذا لا يملكا لممرّ
المصدر: النشرة
اختر موقع صدى الضاحية ضمن مصادرك المفضّلة لتظهر أخباره لك بصورة أوضح في Google.




